آخر تحديث للموقع منذ منذ سنتان و 7 شهور و 3 اسابيع و 5 ايام و 7 ساعات و 3 دقائق
أخبار اليوم

أهم وأخطر كتاب في تاريخ اليمن عن "القات" ودوره في الحياة السياسية في اليمن!!!

الفضول نت | الأحد 16 ديسمبر 2012 07:54 مساءً

خاص: الفضول نت 

صدر في يونيو العام الحالي ٢٠١٢ كتاب بالألمانية والانجليزية للباحث بيير جاتر Peer Gaater، بعنوان سياسة القات "Politics of Qat" دور القات في حكم اليمن، لعله أهم كتاب على الاطلاق عن هذه النبتة الخبيثة ودورها في حياة اليمنيين، جاء صدوره متزامناً مع الثورة اليمنية التي تعيشها اليمن ولا تزال منذ ثورة الشباب السلمية التي جاءت لتغيير وتصحيح مسار تاريخ اليمن لبناء دولة مدنية ديمقراطية تتجاوز كل سلبيات الماضي البغيضة، بما فيها "القات". 
 
"قليلة ھي المنشورات التي تتحدث عن اليمن وتغفل عن ذكر ظاھرة القات. من بين فيض الكتب والمقالات المكرسة لھذا العقار ثمة عدد لا يستھان به منھا يناقش مسألة ما إذا كان القات في الواقع ھو نوع من أنواع "المخدرات". فحتى اليوم يتم تباحث ھذه المسألة المثيرة للجدل داخل الاتحاد الأوروبي: فھو محظور في ألمانيا وجائز قانوناً في بريطانيا العظمى بينما تجري حالياً في ھولندا مداولات ساخنة حول فرض حظر محتمل على القات. ألم يغدو كل شيء معلوم الآن عن ھذه المادة التي تشكل الحياة اليومية لليمن واليمنيين إلى حد كبير أكثر من أية أشياء عديدة أخرى. إذا ما أمعنا في تحليل الأدبيات الخاصة بالقات سنكتشف أننا على إطلاع كبير جداً عن القات من حيث التاريخ، وعلم الصيدلة، والكيمياء الحيوية، والتأثيرات الصحية، فضلاً عن الجوانب الاجتماعية المتعلقة به. ومع ذلك وعند استعراض ھذه الأدبيات سنكتشف بالتالي أن القليل معروف حتى الآن عن القات من حيث الاقتصاد ناھيك عن السياسة. إن البعد السياسي لھذه الظاھرة ھو موضوع محوري قد تم تجاھله بشكل كامل تقريباً حتى الآن من ِقبل البحث العلمي: فبأي شكل يعتبر القات أداة من أدوات السلطة بالمعنى السياسي للكلمة؟
يقدم بيير جاتر طي ھذا الكتاب عمل رائع مستند على معرفته المكثفة بالموضوع: فقد عاش في اليمن لسنوات عديدة على ھامش عمله في الأمم المتحدة والبنك الدولي وكمستشار في عدة وزارات يمنية وعضو في لجان دولية، جمع على إثر ذلك مادة مثيرة للإعجاب عن القات تمحورت مراجعھا دوماً على الرصد التشاركي والمسوحات الميدانية المتعددة. بذلك اكتسب جاتر رؤى عميقة عن العمليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحيط بقضية القات والتي بقت حتى الآن محجوبة حتى عن أعين الخبراء في شؤون المنطقة. لقد تمكن بيير قاتر من الحصول على المواد التي تفتح آفاقاً جديدة تماماً على "ظاھرة القات".
لقد أ ْضفَت الحركات الثورية، التي أحكمت قبضتھا في اليمن على مدى العام الماضي على ھذه الدراسة المزيد من الأھمية ووثاقة الصلة، حيث لعبت مسألة القات دوراً مركزياً في ھذا السياق، إذ يمكن فعلاً القول من دون تردد: أن المناورات على السلطة، والفساد، والمحسوبية، والنظام السياسي المشخصن في اليمن، يصبح قابلاً للفھم فقط عندما يتم أخذ عامل القات على نحو مناسب في الاعتبار. وفي ھذا الصدد، فإن ھذا العمل الذي بين أيدينا يشكل حافزاً نحو إدراك أعمق للكيفية التي يتفاعل بھا المجتمع اليمني. ليس فقط من خلال استخلاص المعرفة السابقة عن القات، ولكن أيضا بتزينھا بمكوِّن مھم للغاية – ألا وھو البعد السياسي."
 
كانت تلك ما كتبته دار "ھورست كوب" للنشر في مدخل الكتاب.
 
يقول الباحث: "إن ما كُتب حول عادة مضغ القات ودورھا الاجتماعي وتأثير استخدام القات على الصحة ھي أدبيات جديرة بالإعجاب إلى حد كبير، وعليه فھذا الكتاب لا يسعى للتكرار بل يقوم بالتركيز على دور القات في السياسة المتعلقة باليمن المعاصر والمنطقة بشكل أوسع – وھو موضوع قد تم تجاھله تماما حتى الآن. إن استعراض سياسات القات والأحداث الاقتصادية خلال العقود الماضية ستُظھر كيف أن الحكومات اليمنية المتعاقبة تنبھت واستخدمت القات بشكل متزايد كأداة من أدوات السياسة وسوف توضح أيضا أن إجراءات الحكومة تجاه الَعقار ليست بدافع الرغبة الحقيقية للإصلاح أو لمصلحة تخليص المجتمع اليمني من مفسدة اجتماعية، بل تتمثل ُجل دوافعھا في الحاجة إلى حشد الموارد المالية والرغبة في السيطرة الاجتماعية والاستقرار السياسي. فالقات السياسي – كما تقترح الدراسة – أصبح وقبل كل شيء جزء من إستراتيجية شاملة لاستجلاب الريع توظفھا النخبة الحاكمة في أوقات الأزمات الإيرادية بغية تدعيم احتكار الدولة للسلطة والحفاظ على شبكتھا الواسعة من المحسوبية. إن ارتباط القات بالسياسة منذ سبعينات القرن الماضي يمثل نوع من الصفقة السياسية بين النظام الحاكم والقبائل، الأمر الذي يفسر موقف الحكومة المتساھل بل والمؤيد في معظم الأحيان تجاه العقار."
 
ولعل هذا البعد الخطير هو من إهمال محاور التي يتناولها هذا الباحث، والذي يلقي الضوء على دور "النظام السابق" في اعتماد سياسات دفعت إلى انتشار زراعة القات على النحو الخطير، وتحديداً بعد الوحدة في عام ١٩٩٠، ويروي قصصاً حول كل ما ارتبط ببناء العلاقات والولاءات في طول اليمن وعرضها، التي أوصلت البلاد إلى ما وصلت اليه. 
 
وقد حرص الباحث المؤلف، الذي عاش في اليمن طويلاً، مشكوراً، وفي بادرة تعكس تقدير عالي منه لليمن واليمنيين، على نشر تمھيد باللغة العربية نورده كما هو فيما يلي:
 
تمهيد المؤلف
 
القات (Catha edulis Forsk) ھو المنشط النفساني الذي يُزرع في كثير من المناطق المرتفعة من شرق أفريقيا، بدءاً من جنوب السودان مروراً بإثيوبيا وكينيا ومدغشقر والترانسفال. ويزرع أيضاً على الجانب المقابل للبحر الأحمر في المرتفعات الغربية لليمن، وعلى جبال عسير وجيزان في المملكة العربية السعودية. وفي حين ينظر إليه باعتباره من المخدرات في معظم الدول العربية، وكذلك في العديد من الدول الغربية، إلا أنه لا يوجد في اليمن حتى اليوم تشريع قابل للتطبيق للسيطرة على زراعته واستھلاكه أو المتاجرة به. 
تُزرع ھذه الشجرة العنيدة التي تشتھر لدى المزارعين بمقاومتھا للجفاف. وفقاً لإحصاءات رسمية على 12٪ من أراضي اليمن الزراعية، وتغطي 153,500 ھكتار في عام 3.2009 ومع ذلك يعتقد عدد من كبار الباحثين اليمنيين أن الرقم الفعلي قد يصل إلى الضعف. وفي بعض المناطق المرتفعة من اليمن يشارك أكثر من 90٪ من المزارعين في زراعة القات. حيث تحتل زراعة ھذا العقار ما يربو على 80٪ من الأراضي المزروعة. ووفقا للتعداد الزراعي لليمن لعام 2003 فإن ھناك 494,000 من ملاك الأراضي يزرعون القات في المناطق الجبلية وھذا يشكل 43.6٪ من مزارعي البلاد يمثلون 3.9 مليون فرد إذا اُعتبر أن متوسط عدد أفراد عائلة من المزارعين اليمنيين يصل إلى أقل بقليل من ثمانية أفراد. يستحوذ القات على 6٪ من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد وعلى ثلث إجمالي الناتج المحلي الزراعي. حيث يشكل في المتوسط نسبة 10٪ من نفقات الأسر اليمنية لكن الإنفاق ذو الصلة بالقات قد يصل إلى ما يقرب من 30٪ لدى الأسر الفقيرة. وبينما يوفر قطاع القات فرص عمل لواحد من بين سبعة عمال يمنيين، يشارك في العاصمة صنعاء وحدھا نحو 13,000 شخص في بيع ھذا العقار. في المتوسط ثمة 72٪ من الرجال اليمنيين و33٪ من النساء فوق سن الـ12 من العمر يمضغون الأوراق المريرة لنبتة القات، حوالي 42٪ من المستھلكين الذكور يمضغونه بمعدل خمسة إلى سبعة أيام في الأسبوع يظھرون بذلك علامات التعود الإلزامي. 
 
إن القات ھو المحصول النقدي السائد والدعامة الأساسية لاقتصاد البلاد في المناطق الريفية، لذا فإن الدخل الذي يولّده القات يثني الناس في كثير من المناطق المرتفعة في اليمن عن التوجه نحو المدن من أجل البحث عن عمل. تعتبر شبكة توزيع القات بلا شك الأكثر تقدما في البلاد في حين أن ھناك عدد قليل من القطاعات الاقتصادية الأخرى التي تتميز بمثل ھذا المستوى من التنظيم. لكن القات يستنزف أيضا موارد المياه الشحيحة، ويسھم في تدھور التربة ومزاحمة إنتاج المحاصيل الغذائية الأساسية والصادرات الزراعية. لقد توسعت المنطقة الواقعة تحت ھيمنة القات بما يقرب من 20 ضعف خلال العقود الأربعة الماضية، مزيحاً بذلك المنتجات القابلة للتصدير كالبن والفواكه والخضروات والذرة والقمح. وبذلك انحسرت صادرات المحاصيل النقدية مثل البن في حين تعاظمت واردات الغذاء نتيجة للاكتساحات التي صنعھا القات داخل الاقتصاد الريفي. 
 
إن استھلاك القات والنفقات المتعلقة به تسھم أيضا في الفساد وسوء التغذية والفقر وتفكك الأسر. وبالنسبة للمنتجين والمستھلكين على حد سواء، يُنظر للقات باعتباره واحد من المخاطر الصحية الرئيسية في اليمن، ويرجع ذلك أساسا إلى الاستخدام غير المنظم للمبيدات في زراعته. نظراً للأھمية الاقتصادية للقات فإنه من غير المستغرب أن تكون الضرائب الناجمة عن إنتاج وبيع ھذه النبتة جديرة بالاعتبار، بل وتشكل المصدر الرئيسي للدخل المحلي لمحافظات كثيرة ولإدارات المديريات. يساھم قطاع القات في إيرادات الحكومة بأربع طرق: العشر الدينية المفروضة على إنتاج القات )زكاة(، وضريبة النظافة العامة التي تفرض للحفاظ على نظافة أسواق القات، وأخيراً فرض ضريبة استھلاك القات وضريبة الشباب والرياضة، على حد سواء والمفروضة على مبيعات القات في حين يتم فرض الزكاة باعتبارھا من الضرائب المباشرة التي يتم جمعھا على مستوى المزرعة من قبل خبراء تقدير الزكاة. وتفرض الضرائب الأخرى والضرائب غير المباشرة على الحواجز العسكرية على الطرق المؤدية إلى المدن وداخل أسواق القات. بلغت ضريبة استھلاك القات وحدھا 3.4 مليار ریال يمني في عام 16) 2010 مليون دولار أمريكي(. كذلك يتم تھريب القات عبر الجبال إلى المملكة العربية السعودية حيث يحظر استھلاكه وتجارته. ويعتقد أن أعمال التھريب ھذه تدر عائدات لليمن بمبلغ لا يقل عن 1 مليار دولار أمريكي سنوياً. لكن الحكومة ليس لديھا أي سيطرة على ھذه التجارة غير المشروعة، ويعتقد أن عائداتھا تدعم تمويل الحوثيين في المحافظة الشمالية لليمن صعدة.
 
أصدرت الحكومات الاستعمارية في عدن وشرق أفريقيا حظراً متكرراً على القات دون جدوى. كذلك قامت الحكومات الثورية الحداثية في شمال وجنوب اليمن منذ أواخر ستينيات القرن الماضي بتدشين العديد من الحملات المناھضة للقات وھددت حتى باقتلاع أشجاره. ومع صعود الرئيس علي عبدالله صالح إلى السلطة في عام 1978 غدت قضية القات من المحرمات واختفى ذكر ھذا المحصول من الإحصاءات الوطنية. في ذات الوقت، انتشرت زراعة القات لدى قبائل المرتفعات جراء استحداث أعداداً لا تحصى من الإعفاءات وبرامج الدعم التي أثارت بالتالي موجة لم يسبق لھا مثيل من عمليات استخراج موارد المياه الجوفية. لقد جعلت عملية دعم مادة الديزل زراعة القات مشروعاً مربحاً للغاية القرن الماضي - عن إضفاء عدة عقود من الاستقرار النسبي على مرتفعات يتم بذل جھود متجددة ضد انتشار ھذا العقار وقبل أن يعاود القات ظھوره في الحوليات الإحصائية لليمن جراء ضغوط الدائنين الدوليين.
 
قامت الوحدة اليمنية عام 1990 مع جنوب اليمن الاشتراكي، حيثما كانت توجد لوائح صارمة بشأن القات، لكن الوحدة ھذه لم تؤثر في موقف الشمال تجاه القات، بل بالعكس فقد تم إلغاء القوانين الجنوبية المنظمة له واتسعت عباءة التكتم الشمالية بشأن القات لتغطي كامل أرجاء البلاد. وفي أعقاب حرب الانفصال عام 1994، تم نشر عشرات الآلاف من القوات الشمالية في كل جزء من الجنوب السابق. وحيث أن معظم ھؤلاء الجنود كانوا معتادين على مضغ القات، فقد تمددت شبكات توزيع العقار حتى إلى المراكز العسكرية الصحراوية النائية والتجمعات البدوية على الحدود السعودية والعمانية. وقد أفضى الاستھلاك المتزايد للقات بين سكان الجنوب على مدى العقدين الماضيين إلى زيادة التحويلات المالية غير المسبوقة من ھذا الجزء المھمش اقتصادياً من البلاد باتجاه المرتفعات الشمالية.
 
لقد غدا مضغ القات اليوم جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية في كافة أنحاء اليمن وعادة مقبولة بشكل عام لدى جميع طبقات المجتمع، وحتى في الوزارات أو في مجلسي النواب والشورى تعقد جلسات ما بعد الظھيرة في جو من المضغ. كذلك، تولد لدى النخبة السياسية والاقتصادية في اليمن خلال العقود الماضية اھتمام ملحوظ تجاه القات حيث استثمر العديد من منتسبي ھذه النخبة في قطاع القات بسبب أن العوائد الناتجة عن زراعته وتجارته ھي ببساطة مذھلة. استفادت قبائل المرتفعات- التي يتم إنتاج الجزء الأكبر من القات في أراضيھا- كثيراً من نھج سياسة عدم التدخل من قبل الحكومة. وقد مكنت لھا الأرباح المستفادة من قطاع القات من الحفاظ على استقلاليتھا عن الدولة وبناء جيوش قبلية حقيقية وحتى تجھيزھا بأسلحة ثقيلة. إن فرض أي تقليص على إنتاج القات ناھيك عن فرض حظر على محاصيله أو استھلاكه لن يؤثر سلباً على سكان المرتفعات الريفية فحسب، بل أن ذلك سيثير مقاومة القبائل وبالتالي سيفضي إلى المزيد من زعزعة الاستقرار في البلاد وجعلھا غير قابلة للحكم على الإطلاق.
 
إن العوامل التي تعيق التغيير في اليمن فيما يتعلق بالقات ھي قبل كل شيء خوف الحكومة من القوة القبلية والاضطرابات العامة، بالإضافة إلى ضلوع العديد من أطراف الطبقة الحاكمة في زراعة القات. يقترن ذلك أيضاً مع عدم قدرة السلطات على فرض القانون في المدن - ناھيك عن المناطق القبلية - مما يجعل صناع القرار يترددون في التحدث علناً ضد القات. ويتفاقم ھذا الأمر بسبب العوز الفادح في وجود بدائل لتمضية وقضاء أوقات الفراغ، وعدم وجود أنشطة اقتصادية أخرى مجدية ومربحة، إلى جانب عدم وجود أسواق للمحاصيل البديلة ذات القيمة العالية.
 
شھد النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي بداية تحول الدولتين اليمنيتين من دولتين شبه ريعية تعتمدا اعتماداً كبيراً على التحويلات المالية من المھاجرين والدخل السياسي غير المستقر، إلى دولة ريعية نفطية موحدة سياسياً. ومنذ ذلك الحين أصبحت السياسة في اليمن متشابكة بشكل وثيق مع ما تسقطه ھبات الرياح من القطاع النفطي وأسعار السوق العالمية للنفط. تُمثل إيرادات القطاع النفطي ما يربو عن 90٪ من عائدات التصدير لليمن وحوالي 70٪ من دخل الحكومة. لقد مكنت ھذه الإيرادات النظام، خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي والسنوات الأولى من الألفية الثانية، من توسيع شبكة المحسوبية بشكل كبير وب ْسط سلطته على مناطق كثيرة من الريف. خلال تلك الفترة أصبح ارتباط القات بالسياسة متشابكاً على نحو متزايد مع الوضع الإيرادي للنظام وتم توظيف ھذه الارتباطية بشكل متزايد كوسيلة للبحث عن مصادر للدخل في أوقات الأزمات الاقتصادية. على الرغم من المقاومة الشديدة لمزارعي القات والقبائل، إلا أن الحكومة شرعت منذ عام 1999 على نحو متكرر في إقامة حملات مناھضة للقات ذات جاذبية جماھيرية عالية. لقد كانت ھذه الحملات في أغلب الأحيان عفوية ومنسقة على نحو سيء وبالتالي فقد ماتت معظمھا في مھدھا ولم تطبق أي من القوانين التي ُسنت حول القات بشكل فعلي على الإطلاق، (على سبيل المثال ذلك قانون عام 2002 التي حظر مضغ القات في المرافق الحكومية) لم تُسفر ھذه الحملات عن أية تغييرات من حيث زراعة واستھلاك العقار، لكنھا نجحت في إكساب صناع السياسة اليمنيين احترام نظرائھم من الدول العربية وھيئت لھم إحسان مجتمع المانحين. ودون المساومة على قبضته على السلطة، أصبح النظام ھو المستفيد من زيادة مستويات مساعدات التنمية، وفي نھاية الأمر، أثمرت سياسة القات بشكل سخي ليس أقلھا سخاء حصول اليمن على وعد مبدئي بقبول انضمامھا إلى مجلس التعاون الخليجي بحلول عام 2016.
 
لعب القات أيضا دورا مھما خلال "ثورة الشباب" في اليمن عام 2011. فبالرغم من الاعتقاد السائد أن القات ھو عقار يولد التراخي والخمول والتقاعس عن العمل، إلا أنه ساعد على حشد كل من مؤيدي النظام والمعارضين المتظاھرين ضد صالح: أقام أنصار النظام خيامھم في ميدان التحرير وحاولوا الجلوس ضد الاحتجاجات ومضغ القات الذي كان يوزع لھم مجاناً من قبل النظام. وفي "ساحة التغيير" كانت رحى العقل المدبر وراء الثورة ت لأنفسھم مدينة من الخيام. ھناك، وبينما كانت تُمضغ أوراق القات كانت تدور نقاشات مستفيضة وحماسية حول نظام جديد ذو رؤية حديثة لمرحلة ما بعد صالح.
 
بينما تتجه اليمن نحو عصر ما بعد النفط - مع توقع بعض المحللين استنزاف احتياطات النفط في وقت قريب كقرب عام 2017 - سيكون من المثير للاھتمام ملاحظة ما ھو الدور الذي سيلعبه القات وإيراداته في ھذا النظام السياسي في المستقبل. فھل سيكون النظام قادرا على الاستفادة من قطاع القات؟ وھل سينجح النظام في أحكام قبضته على أسواق القات وتنظيم وترشيد إجراءات فرض الضرائب عليه لتعويض العائدات المفقودة من النفط؟ أم أن شبكة التفكك الخاصة بالمحسوبية ستجعل البلد غير قابل للحكم بتاتاً في وقت قد تكتسب القبائل المنتجة للقات الحكم الذاتي وليصبح القات ھو الحاكم الحقيقي للمجتمع اليمني تماماً كما ھو الحال في معظم مجتمعات الصومال اليوم؟
 
ھل القات من المخدرات؟
في اليمن لا يعتبر القات من المخدرات من قبل السلطات حتى أن بوليصات تأمين السيارات تغطي على نحو بيّن الحوادث التي تحدث أثناء قيادة المركبات )أنظر الملحق 41(. قد يكون القات مخدر أو قد لا يكون، بالمدلول السريري- بمعنى ھل القات َعقار يتسبب في الإدمان البدني؟ إن أوراق شجرة القات ھي بالتأكيد مخدر اجتماعي إذ أن الحياة الاجتماعية في معظم أنحاء اليمن تدور اليوم حول القات، بل يعتقد كثير من اليمنيين أنه لن تكون ھناك أية حياة اجتماعية حيثما لا يكون ھناك قات. إن مضغ أوراق القات يخلق البھجة، ويمنح الارتياح، ويحفز التفاھم المتبادل والرفقة. فھو يساعد على خلق روابط قوية بين الناس ويسھل عملية المصالحة وحل مشاكل اليمن القبلية الكثيرة. ليسوا قلة أولئك الذين يعتقدون أنھم لن يستطيعوا النھوض من الفراش، ناھيك عن القدرة على العمل بدون قات وبالتالي فھم يبدءون يومھم بالمضغ لأن القات يعطيھم قوة للجسم وقوة للإرادة. إن مضغ القات يجعل المرء ينسى اليأس والعنف – حتى ولو كان ذلك فقط لساعات قليلة - فھو يجعل المرء يتعامل مع مظالم الحياة ويمنحه الأمل في بلد يبدو مستقبله السياسي والاقتصادي قاتماً جداً. إن مضغ القات يجعل المرء ينسى الفقر وينسى الأفواه الجائعة المحتاجة للإطعام في المنزل.
 
ومع ذلك، يود العديد من اليمنيين - متعلمين كانوا أم لا – الامتناع عن استخدام الأوراق من وقت لآخر، سواء كان ذلك لأسباب مالية أو عائلية أو صحية. لكنھم يشعرون بأنھم مجبرون على المضغً من ِقبل الجيران والأصدقاء أو الزملاء، ويخشون استبعادھم من الأوساط الاجتماعية والحياة الاجتماعية. بل يخشى كثيرا منھم من فقدان الاحترام، وفقدان فرص العمل، أو حتى من مجرد الاستبعاد من الإحاطة بالمعلومات المتداولة في جلسات القات. لقد لاحظت على مر السنين، كيف أن عادة المضغ انتشرت في حضرموت وعلى جزيرة سقطرى، وكيف أنھا استحوذت على سكان المناطق الساحلية ومن ثم زحفت ببطء نحو الوديان باتجاه رعاة المرتفعات، وكيف انتشرت من الجنود إلى الصيادين، ومن التجار للمزارعين، ومن البالغين للمراھقين، وأخيراً من الأزواج لزوجاتھم. شاھدت مجموعة من السكان العزل اليائسين، وأعضاء مجالس محلية، وشيوخ، وآباء، وأزواج يحاربون انتشار القات بكل الوسائل المتاحة لھم، لكن دون جدوى. شاھد ُت كيف عصف القات بالثقافة الفريدة لھذه المناطق، وكيف تغيرت العادات الاجتماعية والمجتمعات، وكيف تلاشت الوسائل التقليدية الخاصة بقضاء أوقات الفراغ، وكيف ذابت القيم وتخففت الأخلاق.
 
لقدعرفتُ اليمن منذ نحو عشرين عاماً، وشاركت في أعداد لاتحصى من مجالس مضغ القات وأجريت مقابلات مع عدة آلاف من الناس حول قضية القات. بالنسبة لي، أوراق شجرة القات ليست عقارا مخدراً. ومع ذلك، فإن لدي اعتقاداً راسخاً بأنھا أكثر بكثير من كونھا "منبه اجتماعي خفيف" كما تشير إليھا الأدبيات غالباً. بل إنھا - أي أوراق شجرة القات - من المخدرات الاجتماعية القوية القابضة بشدة على حياة اليمن واليمنيين. إن ھذه النبتة تخلق شكلا من أشكال الإدمان النفساني الذي يجعلھا ضارة وبالتأكيد خطرة مثلھا مثل أي ضرب من ضروب المخدرات الأخرى.
 
منھج الدراسة
 
إن ما كُتب حول عادة مضغ القات ودورھا الاجتماعي وتأثير استخدام القات على الصحة ھي أدبيات جديرة بالإعجاب إلى حد كبير، وعليه فھذا الكتاب لا يسعى للتكرار بل يقوم بالتركيز على دور القات في السياسة المتعلقة باليمن المعاصر والمنطقة بشكل أوسع – وھو موضوع قد تم تجاھله تماما حتى الآن. إن استعراض سياسات القات والأحداث الاقتصادية خلال العقود الماضية ستُظھر كيف أن الحكومات اليمنية المتعاقبة تنبھت واستخدمت القات بشكل متزايد كأداة من أدوات السياسة وسوف توضح أيضا أن إجراءات الحكومة تجاه الَعقار ليست بدافع الرغبة الحقيقية للإصلاح أو لمصلحة تخليص المجتمع اليمني من مفسدة اجتماعية، بل تتمثل ُجل دوافعھا في الحاجة إلى حشد الموارد المالية والرغبة في السيطرة الاجتماعية والاستقرار السياسي. فالقات السياسي – كما تقترح الدراسة – أصبح وقبل كل شيء جزء من إستراتيجية شاملة لاستجلاب الريع توظفھا النخبة الحاكمة في أوقات الأزمات الإيرادية بغية تدعيم احتكار الدولة للسلطة والحفاظ على شبكتھا الواسعة من المحسوبية. إن ارتباط القات بالسياسة منذ سبعينات القرن الماضي يمثل نوع من الصفقة السياسية بين النظام الحاكم والقبائل، الأمر الذي يفسر موقف الحكومة المتساھل بل والمؤيد في معظم الأحيان تجاه العقار.
 
بعد لمحة موجزة عن تاريخ وتطور استھلاك القات في اليمن والمدى التي انتشرت فيه ھذه العادة وآثارھا الضارة على الصحة، يوثق الفصل الأول والفصل الثاني مسألة تحول اليمن خلال سبعينات القرن الماضي من مجتمع زراعي إلى دولة شبه ريعية، فضلا عن تحوله من بلد يعتمد إلى حد كبير على تحويلات العمال المھاجرين والدخل السياسي إلى اقتصاد نفطي. ثم يحلل الكتاب في فصله الثالث من منظور استرجاعي للأحداث القات السياسي على الصعيد الإقليمي، ويشمل ذلك نضال الإدارات الاستعمارية ضد القات في اليمن وشرق أفريقيا، بالإضافة إلى دور القات خلال العھود الأخيرة لأئمة اليمن وموقف جامعة الدول العربية إزاء العقار. ھنا أيضا يتم عرض الجھود غير المثمرة لحكومة السعودية وعلماء الدين السعوديين ضد محاصيل القات، إلى جانب تقديم بحث تحليلي عن القات السياسي في صومال ما بعد الاستعمار، حيث أن العقار أصبح أحد العوامل التي تغذي الحرب الأھلية طويلة الأمد.
 
يصف الفصل الرابع نھج حكومات اليمن الثورية تجاه القات في كل من جنوب وشمال اليمن، ومن ثم يتطرق الفصل الخامس نحو إيلاء نظرة فاحصة للتغييرات الناجمة عن تداخل القات مع السياسة إلى جانب التغيرات التي حدثت للنمو الزراعي للقات خلال العقدين الأولين من نظام صالح. ثم يُعِّرج الفصل السادس على التوثيق بقدر كبير من الإسھاب، كيف أضحى القات وسيلة لاستجلاب الريع خلال أوقات الأزمات المالية والسياسية.
 
يشرح الفصل السابع من الكتاب تقلبات القات السياسي في أعقاب المؤتمر الوطني الأول عن القات وكذلك يوثق ھذا الفصل النشاطية السياسية بشأن القات من قبل الطبقة الحاكمة عقب تصريح مجلس التعاون الخليجي عن عزمه على قبول انضمام اليمن للمجلس في حال قام اليمن بمحاربة الفساد والحد من انتشار الأسلحة ومناھضة القات. ويورد ھذا الفصل أيضاً مجموعة من المقابلات مع عدد من صانعي القرار رفيعي المستوى في اليمن.
 
يحلل الفصل الثامن الدور الذي يلعبه القات في تحقيق الاستقرار السياسي والسيطرة السياسية والھوية في دولة ھشة. ويستعرض دور القات في حرب صعده ودوره في الإرھاب، وكذلك في نشر ھيمنة الشمال على اليمن الجنوبي السابق، ويناقش أيضاً دور القات في "ثورة الشباب" في اليمن عام 2011. علاوة على ذلك، يستطلع ھذا الفصل آثار القات على الفساد وعلى أھمية إيرادات القات في عملية اللامركزية في اليمن. إلى جانب ذلك، يوثق ھذا الفصل المھمة الصعبة لمنظمات المجتمع المدني والمجتمعات الدينية في محاربة القات. وأخيراً،  ستعرض الفصل التاسع الاستخلاصات ويقدم إطلالة على يمن ما بعد عصر النفط."
 
إنه كتاب جدير بالاطلاع والبحث من قبل الشباب، أصحاب وملاّك المستقبل، وهم بصدد بناء اليمن الجديد!!!
إنها رسالة  لليمنيين في كل الأرض اليمنية!!!
إنها رسالة لليمن الجديد.
 
يمكن الاطلاع على موقع الكتاب على الرابط التالي 
www.qat-yemen.com