آخر تحديث للموقع منذ منذ سنتان و 10 شهور و أسبوع و 5 ايام و 22 ساعه و 39 دقيقه
تقارير خاصة

تحديد أوليات اليمن المتجزئ

المصدر أولاين فورين بوليسي | الخميس 15 نوفمبر 2012 02:19 صباحاً

تحديد أولويات اليمن المتجزئ

 
د. أبريل لونجلي آلي

بعد مضي نحو عام على توقيع الرئيس السابق علي عبدلله صالح اتفاقية نقل السلطة، يواجه اليمن مخاطر كبيرة من العنف المحلي وتجزئة اراضيه. في حين يتحضر الساسة والمجتمع الدولي في العاصمة لحوار وطني، يتخذ المتمردون الزيديون، او ما يعرفون بالحوثيين، والمقاتلون السلفيون ذوي العلاقة بحزب الاصلاح الإسلامي مواقعهـم في الشمال للمزيد من المناوشات. لقد أدت الاشتباكات خلال الاشهـر الاخيرة بالفعل الى قتل العشرات من الناس، والخطابات الملهـبة للمشاعر هـي نذير العنف المقبل. في الجنوب لا تزال المشاعر الانفصالية مرتفعة ولا وجود لاتفاق على كيفية الاشراك الفعال في عملية الحوار للحراك الجنوبي، وهـو التحالف المفكك والمنقسم على نفسه والذي يدعو الى استقلال الجنوب الفوري او الى المزيد من الحكم الذاتي كحد أدنى. الهـجمات التي يشنهـا تنظيم القاعدة وفرعهـا المحلي، أنصار الشريعة، آخذة في الارتفاع حيث تم اغتيال ما يزيد عن 60 من افراد الجيش والامن في عام 2012 وحده. لقد نجا وزير الدفاع من عمليات اغتيال في ستة مناسبات على الأقل.


ان الازمات الاقتصادية والانسانية المزمنة والمولدة للضغينة تغذي وتقوي اللااستقرار. شهـد الناس في جميع انحاء البلاد القليل جدا من التحسن في حياتهـم اليومية منذ تولي الحكومة الجديدة مقاليد السلطة في شهـر فبراير. على المدى القريب فان الوعود الآتية من مؤتمر الرياض و«اصدقاء اليمن» المجتمعون في نيويورك والتي تقدر بحوالي 8 مليار دولار، تعطي الامل بمجيء تحسينات مستقبلية. ولكن هـناك قلق حقيقي بان الامور ستكون كما كانت في عام 2006 وان جزءا صغيرا فقط من التعهـدات، ستمنح. ما يعادل هـذا القلق هـو عدم وجود القدرة الاستيعابية، التي تضاعفت جراء تدمير ونهـب المكاتب الحكومية في 2011 والجمود السياسي المستمر في عام 2012 والتغييرات العشوائية للهـيكل البيروقراطي على أساس الانتماءات السياسية.


كل هـذا لا يعني أن مصير اليمن يؤول إلى سيناريو شبيه بالصومال. في الواقع، نجح ساسة البلد تجنب حرب متوقعة دموية في عام 2011 ورسموا مسارا فريدا للخروج من نسختهـا مما يسمى بالربيع العربي. الاتفاق الانتقالي الموقع بين الحزب الحاكم السابق وكتلة المعارضة يوفر فرصة لحوار وطني شامل لمعالجة مظالم طال أمدهـا وإصلاح المؤسسات. ولكن تبقى هـذه النتيجة غير مضمونة وهـناك حاجة الى عمل فوري للحد من التوترات السياسية وبناء الثقة بين الاطراف المعنية ووقف الحركات النابذة التي تدفع البلد الى الصراع والتفتت.


في عام 2011 تجنبت البلد حربا أهـلية محتملة عن طريق تسوية نخبوية عرفت بمبادرة مجلس التعاون الخليجي. عرضت الاتفاقية في جوهـرهـا حصانة محلية للرئيس السابق من الملاحقة القضائية مقابل استقالته. اضافت الآلية التنفيذية المدعومة من الامم المتحدة اللحم على العظام عن طريق رسم الخطوط العريضة لعملية من مرحلتين يقوم فيهـا صالح بنقل السلطة إلى نائبه عبدربه منصور هـادي خلال انتخابات مجردة من المنافسة. وفي المرحلة الثانية يكون لدى الرئيس هـادي والحكومة الائتلافية (المقسمة بالتساوي بين الحزب الحاكم السابق المؤتمر الشعبي العام وحلفائه وكتلة المعارضة, اللقاء المشترك وشركائه) وخلال عامين ستقوم، من بين أمور أخرى، باعادة هـيكلة الجيش والاجهـزة الامنية ومعالجة مسائل العدالة الانتقالية وإجراء. حوار وطني شامل من شأنه تمهـيد الطريق لصياغة دستور جديد قبل اجراء انتخابات جديدة تجري في فبراير عام 2014.


مضت تسعة أشهـر على المرحلة الثانية وقد سجلت أداء متفاوتا أو أداء مشوشا. وصلت النخب في العاصمة بنجاح الى تحقيق مؤشرات رئيسية مثل تشكيل حكومة ائتلافية واجراء انتخابات رئاسية مبكرة وبدأ الأعمال التحضيرية للحوار الوطني التي من المقرر بدأهـا في منتصف نوفمبر تشرين الثاني، ولكن من المرجح تأجيلهـا. بالنسبة الى القضايا الأكثر موضوعية مثل تحسين الأجواء الأمنية والحد من التوتر وتوحيد الجيش المنقسم على نفسه وادارة الحكومة المركزية بفعالية فان التنفيذ في هـذه النواحي يواجه معضلات أو صعوبات عديدة. في الحقيقة، وفي حين احراز بعض التقدم فان الأعمال التي يرتكبهـا المفسدون والتنفيذ الانتقائي للاتفاقية والتعيينات السياسية الملهـبة للمشاعر تدفع البلاد بعيدا عن التسوية السياسية ونحو تجدد الصراع. باختصار، فان النخبة تؤشر على ما ينجز في قائمة اعمالهـا في حين ان التقدم على ارض الواقع يمشي خطوة نحو الامام وخطوتين نحو الوراء.


تتركز معظم الانتقادات الدولية والمحلية على ان صالح ومؤيدوه هـم المفسدون الرئيسيون. ليس هـناك شك في أن وجود صالح المستمر في البلاد ومشاركته الفعالة في الحياة السياسية يشكل عقبات كبيرة في طريق التغيير السياسي والمصالحة. وجوده مسمم ويخلق أجواء من عدم الثقة والشك لدى مجموعات المعارضة السابقة وكذلك مع هـادي وأنصاره. ومع ذلك وفي نواح كثيرة، أصبح الرئيس السابق كمانع الصواعق لاستلام النقد، حيث يبعد الأنظار عن المفسدين الاخرين وعن المشاكل المصاحبة لعملية التنفيذ والتي تقوض أيضا هـدف التحول الديمقراطي الشامل.


دعم التحول الهـش للبلاد يتطلب اكثر بكثير من مجرد وقف الانتهـاكات من جانب صالح. يحب ان يكون المفسدون الاخرون، وخاصة الجنرال القوي علي محسن الاحمر، جزءا من المعادلة. يعتمد الكثير أيضا على قدرة الحكومة الحالية ورئيس الجمهـورية تلبية مطالب السكان الأمنية والخدمات الأساسية، والوصول فورا إلى الفئات المهـمشة، وخاصة الحراك الجنوبي، من خلال تدابير بناء الثقة. هـناك أيضا حاجة لوقف تزايد المخاوف من اجتثاث الصالحيين من الخدمة العسكرية والمدنية، والذي يصب الزيت على النار من خلال تعميق عدم الثقة واليأس من الوصول الى تسوية سياسية بين النخب المتجذرة.


سواء كان عادلا أم لا، فان العديد من اليمنيين يتطلعون إلى هـادي لتوفير رؤية استراتيجية وخلق توازن خلال الفترة الانتقالية. في حين انه ما زال يتمتع بتأييد واسع النطاق، ويرجع ذلك جزئيا الى عدم وجود بديل، فقد انتهـت فترة شهـر العسل بالنسبة له ويشعر المواطنون بالاحباط بشكل متزايد بسبب عدم وجود رؤية وبسبب أسلوب القيادة الذي غالبا ما يؤدي الى تكرار أخطاء الماضي.


تحويل المسار السياسي بعيدا عن العنف ونحو حوار وطني ناجح يتطلب إجراءات فورية على أربع جبهـات رئيسية: العودة إلى الأساسيات؛ اتباع سياسة شمولية؛ اقتلاع المفسدين، واظهـار اسلوب جديد للقيادة.


أولا وقبل كل شيء، يجب على الحكومة الائتلافية والرئيس إعادة تركيز الانتباه على الأمن والانتعاش الاقتصادي. من الصعب المبالغة في التأكيد على الشعور بانعدام الأمن الشخصي التي يتغلغل أو ينتشر في المدن الأكثر أهـمية في البلد، وخاصة صنعاء وعدن. كلا المدينتين عانتا من هـجمات تنظيم القاعدة والإجرام المتنامي. على الرغم من التقدم المحرز في إزالة الحواجز العسكرية المتنافسة، لا تزال صنعاء عاصمة منقسمة حيث قوات الحرس الجمهـوري تسيطر على الجنوب، ومحسن والتجمع اليمني للإصلاح يسيطرون على ساحة التغيير وجامعة صنعاء في الشمال الغربي، ورجال قبائل آل الأحمر يحتفظون بحضور قوي في الحصبة في الشمال الشرقي. انتشار رجال القبائل المسلحين في العاصمة ووجود الأفراد العسكريين في أو بالقرب من مناطق مدنية هـو تذكير دائم لعودة محتملة الى الصراع. نادرا ما ينتقل الرئيس هـادي من منزله، ويقوم رئيس الوزراء بادارة شؤون الدولة من منزله، ويبعث هـذا برسالة خوف وخشية وضعف الحكومة للسكان.


سيكون من المستحيل على الحكومة الانتقالية حل جميع التحديات الأمنية المتنوعة والمعقدة في البلاد. ولكن من الممكن اعطاء الأولوية للأمن في صنعاء وعدن. في حالة عدم وجود حد أدنى من الاستقرار في هـذه المدن الرئيسية، فإنه من الصعب بناء الثقة في الحكومة أو في العملية الانتقالية. والحال هـكذا، فان لدى جميع أصحاب المصلحة الرئيسيين حوافز لتطوير خطة بديلة لحماية أنفسهـم تحسبا لفشل الحكومة المركزية أو المزيد من التدهـور.


الحكومة بحاجة ماسة أيضا الى خطة طوارئ اقتصادية ذات أولويات واضحة. الحكومة التوافقية منقسمة حيث تتألف من متنافسين سيقومون قريبا، اذا سارت الامور على ما يرام، بالمنافسة في الانتخابات. من غير المعقول أن نتوقع الاتفاق على استراتيجيات التنمية متوسطة أو طويلة الأجل. ولكن من الممكن تحديد أولويات تقديم الخدمات الأساسية، لا سيما الكهـرباء والمياه، وتيسير تقديم المساعدة الانسانية الى السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي على نحو متزايد.
لم يحدث هـذا حتى الآن. بدلا من ذلك، الساسة مشغولون بتوجيه أصابع الاتهـام وتقسيم غنائم الدولة. المؤتمر الشعبي العام يلعب لعبة اللوم، ويصور نفسه كضحية لسياسة إقصائية واحيانا يستمتع بكونه يلعب دور المعارضة الجديدة، وهـو وصف اطلقه هـو على نفسه. من جانبهـا، هـاجس أحزاب اللقاء المشترك هـو تشخيص حالات تدخل «النظام القديم» ونصب الموالين لهـا في الوزارات التي تسيطر عليهـا أحزاب اللقاء المشترك، وذلك كاجراء واضح لتجنب تدخلات المؤتمر الشعبي العام.


المواطنون ببساطة يريدون حكومة فعالة بشكل متواضع وفرصة لبدء المفاوضات والحوار. على الأرجح يلقي المواطنون باللوم على كل جوانب مؤسسات الحزب القديم وأحزاب اللقاء المشترك والمؤتمر الشعبي العام في الفشل من الوفاء لهـذه المتطلبات الأساسية.


هـناك بعض التحسن في مستويات المعيشة، وبعض الوزراء والتكنوقراط يعملون على توسيع هـذه النجاحات. ولكن فإن البيئة العامة التي تسودهـا منافسة اقصائية وفراغ القيادة على المستوى الحكومي يعيق هـذه الجهـود. على هـذا النحو، فان إدخال تحسينات في الخدمات والأمن متقلب وغالبا ما يعتمد على الإرادة الفردية وتأثير القادة المحليين لحشد التأييد للمدن أو المناطق التابعة لهـم. على سبيل المثال، شهـدت مدينة تعز بعض التحسن في مجالي الأمن والخدمات بسبب رؤية المحافظ الجديد. نفس الشيء يحدث تدريجيا لمدينة صنعاء مع تعيين أمين عاصمة جديد يركز على النتائج. ولكن على الصعيد الوطني لا وجود لاستراتيجية طوارئ. بدلا من ذلك، فأن النخبة تتكالب على ما تبقى من جسد الحكومة المركزية الهـزيلة في الوقت الذي تفقد بقية البلاد.


استندت مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي على روحية «لا غالب ومغلوب» وعلى هـدف توسيع المشاركة السياسية من خلال حوار وطني. بعد ما يقارب من عام على التنفيذ، والمسار السياسي ينحرف وبشكل كبير بعيدا عن هـذه المبادئ. جو من الخوف وعدم الثقة يتخلل السياق السياسي وينبأ بما هـو سيء للحوار الفعال. إعادة توجيه المناخ السياسي نحو مزيد من الشمولية يتوقف إلى حد كبير على عاملين: تنفيذ تدابير بناء الثقة التي تركز على الفئات المهـمشة، وخاصة الجنوبيين، وتهـدئة المخاوف من المبالغة في عملية اجتثاث الصالحيين. من بين العاملين، الاول هـو الأكثر إلحاحا.


مشاركة الحراك الجنوبي في الحوار الوطني هـو قضية «حياة أو موت». على الرغم من أن مشاركة كل المجاميع، أو الحركات تحت مظلة الحراك يعد مستحيلا، ولكن مشاركة كتلة وافية من اطراف الحراك يشكل عنصرا أساسيا للتوصل إلى حل وسط وشرعي لبناء الدولة. ولكن تبقى مسألة مشاركة الحراك بعيدة المنال.


قامت اللجنة الفنية المكلفة بإعداد جدول الأعمال وإجراءات الحوار الوطني بجهـود متضافرة لمعالجة هـذه المسألة، واعلنت ان الأولوية الأولى للحوار سوف يكون القضية الجنوبية أو، في الواقع، الحوار حول بنية الدولة: هـل تكون وحدوية أم اتحادية أم على نمط آخر. تدرس اللجنة فكرة التمثيل المتساوي للشماليين والجنوبيين في اللجنة الفرعية التي تنظر في القضايا الجنوبية وذلك لمراعاة المخاوف الجنوبية من ان تعدادهـم السكاني الاقل سيؤدي الى إضعاف صوتهـم في اتخاذ القرار النهـائي. اللجنة هـذه نفسهـا دعت الحكومة الى تنفيذ 20 نقطة لبناء الثقة لتهـيئة الأجواء السياسية لحوار فعال، وما يقرب من نصفهـا تخص الجنوب.


تقوم اللجنة الفنية بعملهـا، ولكنهـا تحتاج إلى دعم من الرئيس، والحكومة، والأحزاب السياسية لبناء بيئة داعمة للحوار. وهـذا لم يحدث حتى الآن. الى الآن لم تنفذ ولا واحدة من تدابير بناء الثقة التي اقترحتهـا اللجنة الفنية على الأرض. صحيح ان بعض الطلبات معقدة وستستغرق وقتا طويلا، مثل حل نزاعات الأراضي أو معالجة مسألة فصل الموظفين الحكوميين بصورة غير شرعية في اعقاب الحرب الاهـلية في عام 1994 بين الجنوب والشمال. مع ذلك، فإن الحكومة الحالية لم تبدأ بتشكيل اللجان للبدء في معالجة هـذه القضايا، كما أنهـا لم تستغل الفرص السانحة، مثل اتخاذ خطوات لإعادة فتح ابرز صحف الجنوب المستقلة، صحيفة الأيام، التي تم إغلاقهـا عام 2009 في أعقاب هـجوم على مكاتبهـا من قبل الحكومة المركزية للاشتباه في دعمهـا للانفصاليين.


على النقيض من ذلك، فإن بعض تصرفات الحكومة تبدو انهـا تفاقم التوترات. على سبيل المثال، أغضب تعيين هـادي لمحافظ من حزب الإصلاح في عدن أنصار الحراك الذين ينظرون الى الاصلاح كحزب شمالي ويناهـض المصالح الجنوبية. بغض النظر عن السجل الشخصي للمحافظ، فان انتمائه الحزبي يمنعه من لعب دور المصالحة والتقارب. بالإضافة إلى ذلك، فإن المرسوم الرئاسي في شهـر رمضان بإضافة خمسة مؤيدين للتجمع اليمني للإصلاح إلى اللجنة الفنية قلل من فرص التواصل مع الجنوبيين الذين كانوا يتوقعون ان تكون التعيينات الجديدة في نهـاية المطاف من الحراك.


في ظل المشاعر الانفصالية القوية وفي ظل انعدام اي اجراءات من الحكومة المركزية تبرهـن على بدء مرحلة سياسية جديدة، فمن الصعب على القادة المرتبطين بالحراك المشاركة. ولكن مع ذلك، فمن المحتمل إن بعض المعتدلين المنفتحين على خيار الفيدرالية سيرسلون ممثلين عنهـم مبعوثين لهـم. ستسهـل اجراءات بناء الثقة مسألة مشاركتهـم. لا تمثل هـذه المجموعة سوى جزء صغير من الحراك والكثير منهـم مرتبطون بمحافظة أبين، حيث لهـادي بعض التأثير. ومع ذلك، فإنه ليس من الواضح أن المشاركة وحدهـا كافية لتسهـيل قبولهـم للقرارات. اتخاذ اجراءات ملموسة لبناء الثقة يمكن ان يفتح المجال السياسي لكسب والحفاظ على مشاركة مجاميع أوسع من المرتبطين بالحراك.


في حين أن القضية الجنوبية هـي الأكثر إلحاحا، هـناك حاجة أيضا لبناء جو من الثقة لدعم جهـود الالتزام الضعيف للحوثيين بالحوار الوطني. ولكن يبدو ان اطرافا في الحكومة تذكي لهـيب الصراع مع هـذه المجموعة أيضا. قام هـادي بتعيين حلقة من المحافظين التابعين للإصلاح حول معقل الحوثيين في صعدة. هـذه الخطوة السياسية غير المتوقعة والمثيرة للمشاعر السياسية زادت من العداء وساهـمت في اندلاع اشتباكات مسلحة بين الإصلاح والحوثيين في اواخر سبتمبر ايلول في محافظة عمران. والآن الحوثيون يقرعون طبول الحرب. انهـم يعتقدون ان الحكومة الحالية والرئيس هـادي عملاء للولايات المتحدة وللنظام القديم المعارضين لأهـداف الثورة.


بالإضافة الى الحاجة إلى ضمان مكان الفئات المهـمشة على طاولة الحوار ونظام سياسي جديدة في نهـاية المطاف، من المهـم أيضا ادراك مخاطر استثناء الموقعين على مبادرة مجلس التعاون الخليجي. بعد أشهـر من التغييرات داخل البيروقراطية والمؤسسة العسكرية التي استهـدفت ليس فقط أسرة صالح ولكن أيضا مجموعة واسعة من المتعاطفين معهـم، فان العديد في صفوف المؤتمر الشعبي العام قلقون.


قدمت انتفاضة 2011 الشعبية تفويضا من أجل التغيير، وخاصة على مستوى القيادات العليا. إزالة هـادي لعائلة صالح وأنصاره المقربين من المناصب العليا في الجيش والقطاع العام كانت ضمن صلاحياته الدستورية وتفويضه. كانت هـذه الاجراءات ضرورية أيضا لدعم سلطته ولإعطاء اشارة إلى نمط جديد من السياسة. ولكن التغييرات على المستويات الأدنى من البيروقراطية والمؤسسات العسكرية والامنية لا يمكن الدفاع عنهـا بنفس القوة ويمكن القول انهـا جاءت بنتائج عكسية مع عدم وجود حل وسط سياسي مستقر وخطة إصلاح واضحة.


حاليا يتركز قدر هـائل من القلق بسبب مكاسب التجمع اليمني للإصلاح داخل وزارات التعليم والمالية والكهـرباء والتخطيط والتعاون الدولي والداخلية، بالاضافة الى المجندين الجدد في الفرقة الاولى مدرع التابعة للجنرال محسن. يدافع أعضاء الإصلاح عن هـذه التغييرات على انهـا ضرورية لتحقيق أهـداف الثورة، لضمان تمكين وزرائهـم القيام بعملهـم على نحو فعال ولتصحيح التحيز الكبير لصالح مؤيدي المؤتمر الشعبي العام السابقين أو الحاليين داخل الخدمة المدنية والمؤسسات الأمنية. قد تلقى الأسباب المذكورة بعض الصدى، ولكن ادعاء التجمع اليمني للإصلاح تمثيله للثورة محل خلاف مرير بين الشباب المستقل والحوثيين والحراك الجنوبي وحتى بين بعض شركاء الاصلاح في أحزاب اللقاء المشترك.


في هـذا الوقت المليء باللااستقرار السياسي العميق، فان التغييرات المبنية على اسس حزبية في الخدمة المدنية والأجهـزة الأمنية هـي جزء من المشكلة وليست الحل. ليس فقط ان هـذه التغييرات في كثير من الأحيان تنتهـك قوانين الخدمة المدنية النافذة، ولكنهـا تخلق جوا من الخوف بحيث تشجع جهـات فاعلة مثل الصالحيين والحوثيين والحراك على وضع خطط طوارئ للدفاع عن أنفسهـم في حال فشل المفاوضات السياسية. مكاسب الإصلاح على حساب المؤتمر الشعبي العام تعزز الى حد ما الدعم المتبقي للمتشددين في المؤتمر الشعبي العام الذين يجادلون ان الإصلاح عازم على اقصاء الآخرين. في نهـاية المطاف، يجب اختبار نوايا الإصلاح في سياق أدائهـا في الحكومة. ولكن حتى الآن، لم تكن لدى المواطنين الفرصة لاختيار المؤسسات السياسية الجديدة أو التصويت على حكومة جديدة.


ليست الحكومة الحالية حاملة لشعلة الثورة. بل هـي حل انتقالي وسط لحالة طارئة تم تمريرهـا لتمكين تغييرات أعمق. الى حين فوز الاصلاح، أو أي طرف آخر، في انتخابات تنافسية، فان تفويضهـا لخلق تغييرات بعيدة المدى محدود. حاليا الحل الأفضل هـو التطبيق الكامل للقوانين المدنية النافذة. يمكن القول ان هـذه القوانين، لا سيما تلك التي تحكم المؤهـلات الوظيفية والتدوير 5 الوظيفي والتحقيق في الفساد، ستسمح بحدوث تغيير، ولو كان أبطأ، أكثر دواما وملائمة مع الرغبة الشعبية لتعزيز سيادة القانون والمهـنية.


كان احد أهـم عيوب اتفاقية دول مجلس التعاون الخليجي فشلهـا في إزالة صالح وشريكه الطويل الامد، علي محسن، من مسرح السياسة. إزالة هـذين الرجلين لن تحل مشاكل اليمن بطريقة سحرية. كليهـما لديهـما شبكات ولاء ونفوذ ستستمر حتى لو طلب منهـما البقاء خارج البلاد خلال الفترة الانتقالية. ولكن اليمنيين من مختلف ألوان الطيف السياسي مقتنعون أن من شأن خروجهـما من الحياة السياسية بناء الثقة على الأقل واعطاء رئيس الجمهـورية الجديد مزيدا من الحرية في اتخاذ القرارات البناءة. هـناك نقاش على قائمة اطول من المفسدين الذين يجب مغادرتهـم للبلاد، والتي تشمل نجل صالح، أحمد علي، أو الشيخ الإصلاحي القوي، حميد الأحمر. ولكن القاسم المشترك الأقل بالنسبة لغالبية اليمنيين، باستثناء المقربين من صالح ومحسن، هـو أن هـذين الوجهـين الكبيرين يمثلان أكثر العقبات الراسخة والهـامة في طريق بناء الثقة وتحقيق الإصلاحات. بدأت المناقشات الأولى من اجل تغيير النظام في مارس 2011 باقتراح صالح خروج العلييْن الاثنين من البلاد. مع انحراف العملية الانتقالية نحو تجدد الصراع والغرق في المنافسة بين الأحزاب السياسية القديمة والساسة القدماء، ربما حان الوقت لإعادة النظر في مزايا هـذا الاقتراح الأول. على العلييْن المغادرة.


الرئيس هـادي في وضع لا يحسد عليه. انه تولى الرئاسة بعد 33 عاما من مشاهـدة صالح يعمل على توطيد السلطة حول أفراد عائلته وأنصاره المقربين. في نفس الوقت يحتفظ شريك صالح السابق ومنافسه الحالي، محسن، بمنصبه كقائد للفرقة الأولى مدرع وقيادة منطقة الشمال الغربي. على النقيض من هـذين الرجلين، من الناحية العملية ليس لهـادي قاعدة دعم موجودة مسبقا في الجيش أو الحكومة أو المؤتمر الشعبي العام، أو في البنية القبلية المعقدة الولاءات في الشمال. لقد جاء الى السلطة بدعم دولي وعبر استفتاء شعبي صوت فيه اليمنيون ليس له هـو بقدر ما كان تصويتا للخروج من الأزمة. يحتفظ الرئيس بمخزون من حسن النية من قبل المواطنين الذين يأملون في تغيير سلمي. على الرغم من ذلك فان فترة شهـر العسل قد انتهـت، وهـناك قلق متزايد من أن أسلوبه في القيادة كثيرا ما يكرر أخطاء الماضي.


أولا، العديد محبطون بشدة من ان هـادي يفضل أسرته وقبيلته ومنطقته على حساب اقصاء الآخرين. كان احد المظالم الرئيسية ضد صالح انه ركز السلطة والثروة في أيدي عائلته وكان يعتزم نقل السلطة إلى ابنه أحمد. الشكوى الشائعة الآن هـي أن اليمن انتقل من سنحنة الدولة (سنحان هـي منطقة صالح القبلية) إلى أبينة الدولة (أبين هـي المحافظة التي ينتمي اليهـا هـادي).


في الواقع، أبين ومحافظة شبوة المجاورة تلعبان دورا بارزا في تعيينات هـادي المدنية والعسكرية. ولكن مع ذلك فالنقد لا يتجزأ من الواقع القاسي الذي يتحكم بالبقاء السياسي. اليمنيون صبورون ويعرفون حاجة هـادي الى الدفاع عن نفسه. ولهـذا لا يوجد تذمر من اختيار الرئيس قائدا من أبين لاستلام مهـمة حمايته الشخصية. ولا يستفسر اليمنيون عن تجنيد العساكر من منطقة هـادي لملأ الفراغ في وحدة الحماية. الأمن الشخصي أمر مفهـوم، ولكن عندما يأتي الامر الى التوظيف في المواقع القوية الاخرى، يود الكثيرون رؤية الرئيس تجنب المحسوبية الاقليمية، أو على الاقل شرح خياراته على أساس المؤهـلات. من المفهـوم أن هـناك أيضا استياء متزايد من ان ابن هـادي يلعب دورا بارزا كحارس البوابة للرئيس.


آخرون قلقون بان تحركات هـادي التي تقص اجنحة صالح وعائلته ادت عن غير قصد، أو نتيجة تحالف تكتيكي، الى تعزيز يد محسن وحلفائه في التجمع اليمني للإصلاح. ان تحدثنا بالمقارنة، فإن تضرر علي محسن أقل بكثير من طرف صالح في عملية اعادة الخلطة العسكرية، بل يمكن القول انه اكتسب القوة حتى الآن. قواته تقوم بحراسة منزل الرئيس وقام بتجنيد ما لا يقل عن عشرة الاف جندي منذ بدء الانتفاضة ويعتقد أن له تأثير كبير في القرارات الرئاسية، مثل تعيين المحافظين التابعين للإصلاح في الشمال. بالنسبة للمستقلين والحوثيين والحراك والمؤتمر الشعبي العام، وحتى البعض في أحزاب اللقاء المشترك، يعتبر محسن ركيزة خطيرة للنظام القديم، الذي لا يبشر استمرار تأثيره بخير لإصلاحات حقيقية ونفوذه يذكر بقلة ما قد تغير.


فيما يتعلق بالجنوب، هـناك أسئلة جدية تحيط بافتقار الرئيس للعمل على تنفيذ تدابير بناء الثقة. بالاضافة الى ذلك، فان تفضيله للكتلة الاقليمية من أبين وشبوة من خلال التعيينات الرئاسية يحبط الجنوبيين من مناطق أخرى وقد يفاقم التوترات التاريخية بين أبين وشبوة ومنافسيهـم التاريخيين في محافظتي لحج والضالع أخيرا، وكما كانت عليه الامور في عهـد صالح، هـناك نقص في الشفافية في عملية صنع القرار لدى هـادي وعدم الرغبة أو عدم القدرة على ايصال رؤية استراتيجية للإصلاحات. يمكن القول انه حتى أكثر من صالح، دوائر هـادي الاستشارية ضيقة وهـناك تواصل محدود مع المعنيين حول اتجاه التغيير.


في نهـاية المطاف، لربما ان ما وضع على اكتاف هـادي اكثر من اللازم. حتى ان المؤسسة الوحيدة التي كان بمقدورهـا مراقبة صلاحياته التنفيذية غير المسبوقة في إطار مبادرة مجلس التعاون الخليجي، وهـي لجنة التفسير، لم تشكل بعد. لا تزال لهـادي الفرصة وهـو يمضي قدما لصقل اسلوبه القيادي وتوسيع قاعدته من الدعم الشعبي من خلال نمط سياسي مختلف. لايتوقع اليمنيون قطيعة تامة مع الماضي في هـذه البيئة غير المستقرة. ولكنهـم يرفضون تكرار الماضي. من خلال تشكيله للجنة التفسير وإيصال رؤية واضحة للتغيير في هـذه الفترة الرئاسية المتبقية وتوضيح تعييناته على أساس المؤهـلات وتجنب، كلما كان ذلك ممكنا، تصور مناطقي أو حزبي متحيز، يمكن لهـادي ان يلعب دورا محوريا في تهـدئة المخاوف وتسهـيل ايجاد سياسة حل وسط تشمل الكل.


استطاع اليمن تجنب الحرب الأهـلية، والآن يبدأ العمل الشاق لإشراك الكل والتسوية. في حين أن الوضع صعب للغاية، يقدم الاتفاق الانتقالي إطارا لتجنب الانزلاق في الصراع. ولكن بإمكان هـكذا انزلاق ان يصبح حقيقة واقعة إذا لم تتحرك الدوائر السياسية داخل وخارج اليمن على الفور لتسهـيل اتفاق سياسي شامل حقا لمعالجة جداول الأعمال السياسية المتنافسة. في حالة عدم وجود مثل هـذا الاتفاق، فان الانحدار العنيف والتفكك مازال في الأفق.

 

- د. أبريل لونجلي آلي , كبيرة محللي الجزيرة العربية في مجموعة الأزمات الدولية. وهـي تعمل حاليا في صنعاء.

- نشرت المادة باللغة الإنجليزية في مجلة «السياسة الخارجية (فورين بوليسي)» الامريكية في 31 أكتوبر 2012.