آخر تحديث للموقع منذ منذ سنتان و 9 شهور و اسبوعان و يومان و 23 ساعه و 49 دقيقه
مقالات
إلهام مانع

مسجد شامل، مسجد بدون تمييز!

الجمعة 14 يونيو 2013 11:09 مساءً

أعُدُ لكتابٍ عن محاكم الشريعة في بريطانيا، يتطلب مني السفر إلى هناك، إجراء لقاءات، زيارة المحاكم، جمع معلومات، والبحث في المكتبات.

ومثل كل كتاب أعددت له في السابق، كان السفر بوابة حياة جديدة. فتحت لي الباب على مصراعيه للتعرف على واقع لا أعرفه، والتحدث إلى أشخاص جدد، لهم ولهن فكر متعدد، وتجارب مختلفة تشربت ولذا تنوعت حسب خلفياتهم/هن الثقافية والدينية.

لن أحدثكما هنا، عزيزتي القارئة، عزيزي القارئ، عن المجتمعات المغلقة التي وجدتها في وسط لندن، أو عن الصدمة التي تعرضت لها هناك من بعض ما شاهدته.

ذاك حديث سيأتي حينه. وحينه ليس الآن.

اليوم أريد أن احدثكما عن مسجد طالما حلمت به، وحدثتكما عنه في مقالات سابقة لي.

عن مسجد لايميز بين الإنسان. يحترم الإنسان ويقبل به كما هو، كما هي.

مسجد يقوم على مبادئ المحبة، السلام، المساواة، الحرية، والتنوع.

 لايدعو بالدمار على رؤوس من "لا يؤمن"، على "الكفار"، على "العلمانيين"، على "الصليبيين واليهود".

مسجد محبة.

وجدته هناك في لندن.

أو على الأقل وجدت فكرته في مشروع جديد، تدعمه مجموعة من الشابات والشبان من بريطانيا، أسمه مبادرة المسجد الجامع (الشامل)  Inclusive Mosque Initiative (وصلة موقع المشروع أدناه).

"نريد مسجداً يشعر فيه كل إنسان بالترحيب"، قالت لي زينب، البريطانية التي أسلمت عندما درست مادة عن الفلسفة الإسلامية، وإحدى مؤسسات المبادرة.

درست الفلسفة الإسلامية التي يلعنها التيار السلفي، والتي يدعو عليها تيار الإخوان المسلمين، والإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي.

لكنها مع تحولها إلى الدين الإسلامي، لم تجد مسجداً يضمها بين حناياه. أليس هذا محزناً؟

قالت لي إنها لاحظت وغيرها أن الكثيرات بدأن يتركن الإسلام. بعضهن ولدن مسلمات، وبعضهن تحولن إلى الإسلام. لكن مع الوقت شعرن أن الدين كما يمارس اليوم يتجاهل وجودهن. يتجاهل أنهن إنسان. فتركوه.

صديقة لها، ومؤسسة رئيسية للمبادرة، عادت من زيارة إلى الولايات المتحدة وحدثتها عن وجود بعض الجاليات الأمريكية المسلمة تمارس إسلاماً "تقدمياً"، أسميه أنا "إنسانياً"، ثم حدثتها عن بعض المساجد التي رأتها هناك، فانطلقت الفكرة: "لم لا نبني نحن أيضاً مسجداً، يكون جامعاً، جامعاً للإنسان بتنوعه".

مسجد لايسألك هل أنت مسلم أو مسلمة كي تتمكن من الصلاة فيه. يرحب بكَ وبكِ، كإنسان يحق له ولها أن تصلي في أي بيت من بيوت الله.

مسجد تصلي فيه المرأة مع الرجل. لايفصل بينها جدار، لا يفصل بينهما حاجز. رجل، وامرأة يصليان أمام الخالق متساويان، تماماً كما خلقهما، خلقهما متساويان، في الكرامة والحقوق.

ولذا، تؤم فيه المرأة، كما الرجل، المصلين والمصليات.

مسجد لا يُسأل فيه المصلي والمصلية "إلى أي مذهب تنتميان".

ومسجد يرحب بالمثليين من الرجال والنساء.

يرحب بهما ويحبهما. تماماً كما خلقهما ويحبهما الله.  

من قال إن الله لا يحب خلقه؟

أعرف أن بعضاً منكما يهز رأسه الآن مستنكراً. رافضاً غير مصدق.

ولعله سيلعن.

وغيره سيكفر، سيقول "كفرن. عن أي مسجد يتحدثن؟"

كفرن بماذا؟ اطرح السؤال على من يكفرنا.  

كل ما نطالب به هو مسجد، بيت لله، يحترم آدميتنا وإنسانيتنا ونحن نصلي.

تماماً كما أعرف أن بعضاً منكما، سيهز رأسه متسائلا متفكراً.

ولعله سيقبل بالفكرة بعد وقت، أو سيرفضها. وسيفعل ذلك محترماً لمن يخالفه. ستفعل ذلك في احترام.

في المقابل أنا على يقين، أن بعضكما سيتنهد كما لو أن فجوة انشقت في قلب السماء ليلة القدر. وجد ما كان يبحث عنه. وجدت ما كانت تبحث عنه.

يبحث عن مسجد محبة. تبحث عن مسجد سلام ومساواة.

مسجد يحترم الإنسان كما هو وهي، ويقبل به كما هو أو هي.

الفكرة طموحة.

ليست مستحيلة. فأنا لا أؤمن أن هناك مستحيل. التغيير يبدأ بنا نحن. نصنعه بما نمارسه في حياتنا.

وزينب رغم إدراكها للصعوبات الجمة التي تواجه تحقيقها لم تيأس بعد. تبحث عن متبرعين ومتبرعات لتمويل المشروع.

وإلى حين بناء المسجد، نظمت هي واصحاب وصاحبات المبادرة عدة انشطة وفعاليات، شارك فيها في كل مرة نحو 40 مشارك ومشاركة.

والمبادرة التي بدأت بفكرة من فتاتين، وجدت مؤيدين ومؤيدات لها، ليس فقط في اقاليم متعددة في بريطانيا، بل في جنوب إستراليا، في كشمير، وفي كوالا لامبور.. والقائمة ستزداد.

لكن طبيعة التحدي كانت تفرض نفسها دائماً.  

حكت لي زينب كيف أن مجموعتها نظمت مرة لقاءاً مشتركاً، بدأنه بصلاة جماعة، تؤمها امرأة. شارك في اللقاء للمرة الاولى شابان.

رفضا الفكرة منذ البداية. أصرا أن ما يحدث خاطيء. ثم قررا ان يصليا على جانب، بعيداً عن الجماعة (التي ضمت رجالاً ونساءاً) التي تصلي خلف الإمامة.

وبعد الصلاة دخلت المجموعة كلها في نقاش جاد وحاد حول الموضوع.

واضافت: "ليس من الضروري أن نتفق في آراءنا، لكن المهم أن يكون لكل منا الحق في دخول ذلك المسجد، بغض النظر عن هويته او رأيه".

أتعرفان ما الذي ابهجني في هذه الحادثة؟ أن الشابين لم يغادرا. أي والله هذا ما أفرحني.

 رفضا الفكرة، صليا وحدهما، ثم انضما إلى المجموعة ليشترك الجميع في نقاش وحوار.

"دعونا نتحدث عن الأمر. بدلاً من أن نكفر بعضنا الآخر."

ما حدث يعكس قناعة المبادرة.

تشرح لي زينب: “نريد مسجداً جامعاً بمعنى شامل واسع، لا يتضمن فقط موضوع النوع، بل يهدف إلى خلق مساحة حوار، يلتقي فيها السني، الشيعي، الصوفي، القرآني، النسوية، المحافظ، لتبادل الآراء والأفكار والخبرات، وهي مساحة ترحب ايضاً بالمتشككين وغير المتدينين". 

اظنها تريد مساحة تقبل بالإنسان كما هو، لا تصنفه، وطالما أن ما يؤمن وتؤمن به لا يدعو إلى قتل أو إقصاء الآخر، لا ينتهك حق من حقوق الإنسان لمن حوله، فليؤمن هو، ولتؤمن هي كما تشاء.

الله يحب خلقه.

لمَ نصر نحن على أن نكره خلقه؟

اكرر. الفكرة ممكنة. ليست مستحيلة.

ويوماً ما، سنبني هذا المسجد.

يوماً ما، سيكون معلماً تاريخياً.

يوماً ما سيقال: "في ذلك الزمان، كانت الفكرة غريبة. اليوم لم تعد كذلك."

إلهام مانع

وصلة موقع المبادرة: 

http://www.inclusivemosqueinitiative.org/