آخر تحديث للموقع منذ منذ سنتان و 11 شهر و 3 اسابيع و 3 ايام و 13 ساعه و 9 دقائق
مقالات
السفير علي محسن حميد

تواضعوا يا إخوان مصر واعترفوا بأن غالبية الشعب لا تريدكم

السبت 03 أغسطس 2013 03:50 صباحاً

الإخوان يحاولون إخفاء نور الشمس الساطعة بغربال، وينكرون على الغالبية الساحقة من شعب مصر حقها المطلق الذي لا يمكن إنكاره في تغيير حاكمها إذا فرط بالأمانة ونكث بالعهد وفشل في إدارة شئون الحكم وانحاز لجماعة غير معترف بها قانونيا، ولحزبه في فترة من أخطر فترات مصر، برغم قوله للأهرام: إنه يريد "تأصيل دولة القانون والدستور".

مرسي أعلن شكليًّا عن توقف بيعته! لحزبه، حزب الحرية والعدالة، وقطع صلته التنظيمية به طيلة فترة بقائه في منصب رئيس مصر ولكنه لم يقطع صلته بالجماعة الأم.

كان هذا العهد في وادٍ، وخضوعه لإملاءات المقر بالمقطم في واد آخر.

وكما اعترف بعض الإخوان بتناقص شعبيتهم وبسوء أداء الرئيس، عليهم القبول بحجم ثورة الغضب ضدهم، التي لم يكونوا يتوقعونها، وهم الذين طالما استخفوا بالشعب، وأنكروا حقه في التغيير، وإن اقتربوا منه فلغايات مكيافيللية وتكتيك انتخابي، وليس إيمانا منهم به، وبحقه المقدس في أن يختار ويقرر ويغيّر.

البعض منهم، وبعض المتعاطفين معهم، اعترفوا بهذه الحقيقة بعد ثورة 3 يوليو، أما هم، فالاستكبار مستوطن في عقولهم، لإيمانهم بأن الباطل لا يقترب منهم مما يجعلهم فوق الشعب. وكيف يعترفون بهذه الحقيقة وهم الإسلام ذاته وغيرهم حثالات.

ثقافتهم الاستعلائية التي لازمتهم منذ التأسيس، قبل 85 عاما، التي عبر عنها المؤسس المرحوم حسن البنا، بعبارة أنهم "أساتذة العالم"، طبعت سلوكهم وتربيتهم الحزبية البعيدة في المجمل عن زعمهم بأنهم جماعة دعوية. ولهذا السبب لم نسمع منهم نقدا علنيا ومراجعة أو تراجعا عن بعض المواقف، أو تشخيصا لأسباب النفور الشعبي التدريجي منهم بعد وصولهم إلى السلطة.

المرحوم البنا، حتى الآن، هو الناقد الوحيد لجماعته، فهو من قال عمن اغتالوا من التنظيم الخاص للخازندار والنقراشي "ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين" و"لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أنشأت النظام الخاص".

وحديثا لم يسَل خلفاؤه أنفسهم سؤالا محوريا وهو: هل لا تزال جماعة أنشئت في عام 1928 حاجة وطنية في الألفية الثالثة؟

وهل يمكن أن تتحول إلى حزب مدني ديمقراطي بثقافة مدنية ديمقراطية تسامحية غير إقصائية ولا استعلائية ولا تكفيرية، يعبر عن حاجات الناس، وليس عن نخبة تعيش في برج عاجي منعزل عنه، ينشط في بيئة سياسية مختلفة عن بيئة فترة التأسيس، ويطلّق بالثلاثة مبدأ السمع والطاعة والبيعة، وتتوقف الجماعة عن وصف من يغادرها بأنه صف أعوج أو من المطاريد (الهاربين والمجرمين الملاحقين أمنيا)، وتأمر الأعضاء بعدم السلام عليهم أو الرد على سلامهم، كما حدث عند انشقاق مجموعة أبو العلاء ماضي التي كونت "حزب الوسط".

لقد كانت الجماعة ترى أن الأحزاب تخالف الإسلام، وأنها جزء من ثقافة الغرب الملحد. وفي رسائله شن البناء هجوما عنيفا على الأحزاب والحزبية، مؤكدا أن الإسلام لا يقر بالحزبية، وأنها لا تجوز في مصر أصلا، لأن الإسلام دين الوحدة في كل شيء. ولكن عندما تتطلب المصلحة خلاف ذلك، وخاصة عندما يكون حزب الحرية والعدالة ظلا فقط للجماعة، وهي المظلة فلا مانع من القبول بالحزبية مع بقاء الأمر معقودا بيد المرشد.

الجماعة - الصندوق المغلق - وحزبها لم ينكشفا إلا في ظل العلنية والاحتكاك بالناس وبالرأي الآخر الكاشف للنواقص والأخطاء والفشل حتى في حل أبسط المشاكل كمشكلتي النظافة ورغيف العيش والتهافت على الوظيفة العامة بالأخونة وتغليب مبدأ الاستحواذ والمغالبة على مبدأ المشاركة.

العلنية أحرقت أسطورة الجماعة، وشعبيتها المزعومة ودعواها بأنها الجماهير وروح الحقيقة والناطق الحصري باسم الدين.

قد لا يصدق البعض بأن الجماعة التي لسعتها شمس الديمقراطية لم تكن تقبل حتى بالجماعات الإسلامية التي كانت تصنف مع الإسلاميين المستقلين بأعداء الإسلام، ولم تقبل التعاون المرحلي معها بعد ثورة 25 يناير إلا تسليما بأمر واقع ولتخفيف ضغوط المعارضة عليها.

من حق الشعب المصري على الجماعة أن تنزل من عليائها وأن تغير خطابها الديني والسياسي لتكون أكثر قبولا وأقل تشددا ويقبلها المجتمع، وأن تمصر نفسها، وتهتم بشؤون مصر، لا أن تلحق بمصر بغيرها من أقطار "دولة الخلافة".

الخلافة مسئولية ولم نعلم أن الجماعة أسهمت في تخفيف مأساة مسلمي الراهونجا في ماينمار أو كوارث الفيضانات في بنجلادش أو الجوعى والعطشى في الصومال وهلم جرا.

وكجماعة مغلقة كان حديثها عن الديمقراطية باهتا، أما التزامها بها فكان دائما محل شك أبت أن تبدده وأن تندمج في المجتمع من باب غير باب الدين، وخطب المساجد المشوبة بنزعة الإقصاء والتعالي واحتكار الإسلام، وزيت وسكر ورز وجنيهات توزع عند الانتخابات.

كان يجب على الجماعة أن تكون رقيبا قاسيا في عام مرسي المرّ، على أداء الرئاسة المحسوبة عليها أولا، وأن تقوّمه ولا تتستر على اخطائه وتبررها وتدافع عنها.

تاريخ الجماعة تاريخ طويل من كراهية النقد والضوء وفقدان المراجعة والمحاسبة وأعلى سقفها للنقد هو أن تقبله في الخفاء وعلى انفراد، ولذلك لم يكن أحدا يجرؤ على ممارسته لأنه يدرك عواقبه الوخيمة. وكانت هذه الكراهية من أسباب ترك عناصر قيادية كبيرة للجماعة أدركت هذا الخلل بالملموس بعد سيطرة القطبيين على قيادتها وعلى التنظيم الخاص بعد وفاة المرشد عمر التلمساني وإقصاء المعتدلين - أبو الفتوح، محمد حبيب، الخرباوي، مختار نوح وغيرهم.

الجماعة لم تبد مرونة إلا فيما يخص رغبتها في خلق تقارب وحوار مع نظام مبارك لكي تصل إلى السلطة بوسائل غير معلنة حددها المرشد مصطفى مشهور بعام 2018 بعيدا عن أي دور للشعب الذي قال أحد قادتها عنه: إنه دخل في صمت القبور وأنت لا تسمع من في القبور.

إذًا البديل كان هو المناورة مع نظام مبارك والاعتماد على إمكانات التنظيمين الخاص والدولي تطبيقا لشعارها، "وأعدوا" المحاط بسيفين. هذا الشعار حربي وقتالي يوحي بأن الآخر عدو وفي مقام الكافر الواجب قتاله ويبرر الإرهاب والعدوان عملا بمنطوق الآية الكريمة: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم". الشعار لا يعبر عن التسامح ويوظف القرآن في غير مقصده، ويبعث حتمًا خوفًا لدى القوى السياسية المدنية، وحتى الأزهر الشريف الذي خلقت الجماعة له منافسا هو "اتحاد علماء المسلمين" برئاسة القرضاوي، الذي يرى أن الله هو الذي اختار موسى، ويصف الشعب بالرعية، ويطلب منه السمع والطاعة واحترام البيعة، أي الطاعة العمياء، وكأننا في الدولة العليّة العثمانية.

البيعة مبدأ عصور مضت، وهي ضد قيم العصر والديمقراطية وحرية التعبير والنقد وحق الشعب في تغيير حاكمه الفاشل، ولا علاقة لها بالصندوق التي تتباكى عليه. الشعار لايتواءم مطلقا مع جماعة تقول للناس طوال عمرها أنها جماعة دعوية تمثل الإسلام الوسطي، وتزعم أن لديها الدواء لكل علل الأمة الإسلامية (الجماعة لا تؤمن بالأمة العربية لأن العروبة عصبية جاهلية ولكنها لا تدرك أن لا أحد يشاطرها عقيدتها خارج النطاق العربي - الإخواني، كأندونيسيا العلمانية وأكبر دولة إسلامية حتى في ظل رئيسها الأزهري الراحل يوسف حبيبي). التنظيمات السياسية وغير السياسية لا تقوى وتقاوم التحديات وتنتصر إلا بإعمال الفكر وإقرار الاختلاف والترحيب بالنقد والعلنية عملا بمقولة الفاروق عمر رضي الله عنه: "رحم الله امرءا أهدى إليّ عيوبي. أليس هذا من تراثنا الإسلامي الذي لا تعمل به؟

لقد حدثت في مصر ثورة شعبية حقيقية ضد الإخوان، ومع هذا لا يريدون الاعتراف بها، ويركزون فقط مع غيرهم من خارج مصر الذين يتبعونهم تبعية عمياء على دور الجيش الذي رضخ للإرادة الشعبية ومنع قيام حرب أهلية بين معسكرين متمترسين في ميادين وشوارع عدة، ويمنون أنفسهم بقدرة لا يملكونها على تغيير ما لا يمكن تغييره، ويرفضون الاستفادة من الدرس المصري العظيم الذي قد تكون مخرجاته خيرا لهم لو رغبوا في التعايش مع الشعب واحترام إرادته.

لقد خسر الإخوان كثيرا وهم في الحكم، والآن يخسرون أكثر وهم يقاومون إرادة شعبية غلابة لا يمكن أن تنهزم مهما كانت مراهناتهم أو أوهامهم بأن عجلة التاريخ ستعود إلى الوراء.

أليس بينهم رجل رشيد يقبل الأمر الواقع ويعترف بأن ما حدث حدث، لأنهم لم يكونوا على مستوى المسئولية، وخذلوا الـ13 مليونا الذين صوتوا لمرسي من مجموع 52 مليونا يحق لهم التصويت، وأن أغلب الـ13 مليونا منحوا أصواتهم لمرسي ليس حبا فيه وفي جماعته، ولكن لكي لا يفوز منافسه أحمد شفيق ويعود نظام مبارك.

جماعة اقتلاع وليست جماعة دعوية

لكي أثبت للقارئ أن حركة الإخوان غير ديمقراطية أورد فقرة من رسالة مرشد الجماعة د.محمد بديع الأسبوعية نشرتها في 28 يونيو 2013 جريدة الحرية والعدالة الناطقة باسم حزب الحرية والعدالة (حزب الإخوان)، يقول المرشد": بعد الحمد والسلام .أما بعد فيا أيها المسلمون في كل مكان (مخاطبة كل المسلمين ليست إكليشة أو بدون مغزى ومضمون، وإنما تعني أن الرسالة الأسبوعية موجهة من خليفة المسلمين المنتظر لرعيته، وأنها تعمم على فروع الإخوان أو التنظيم الدولي)، وبعد: إن المتأمل في الواقع العالمي والناظر لما يدور في العالم الإسلامي، يدرك حجم المؤامرة التي دبر لها بليل، وخطط لها في الظلام، لوقف المد الإسلامي ومنع الصحوة الإسلامية في ديار المسلمين من أن تأخذ مداها وتقتلع ما سواها، لتنهض أمتهم، وترتفع رايتهم، فيعم العدل وتنتشر الرحمة، وتتحقق المساواة، ويتمتع الجميع بالحرية ويأمن الجميع - من أسلم ومن لم يسلم - على نفسه وماله وعرضه .. وقد وعد الله عز وجل بنصرة من ينصره، بل ويثبت قلبه فلا يزغ لا قلبه ولا بصره وفي المقابل يحبط أعمال الكارهين للإسلام".

والسؤال: لماذا ينكر المرشد إرادة الله فيما حدث؟ ولماذا لم يفوت على المؤامرة مبتغاها؟ وكيف عرف هذا المخطط الذي دبر بليل؟ وهل يكرر المرشد ما قاله من قبله الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بأن امريكا تتآمر لتأجيل ظهور المهدي المنتظر. المرشد لا يخاطب المصريين الذين لا يعنونه كثيرا، وإنما المسلمون في كل مكان. الرسالة خارج سياق أحداث اللحظة التي قيلت فيها: (قبل خمسة أيام من الإطاحة بحكم المرشد) وبعيدة عن هموم المصريين وانتفاضتهم ومعاناتهم التي تجاهلها تماما وعبر عن استهانته بها وهو يتحدث عن مؤامرات، وكأن الشعب المصري قطيع مسيّر ولا إرادة له.

المرشد عبر عن نزعة فاشية بإعلانه في دولة ديمقراطية يحكمها هو فعلا أنه سيقتلع الأعداء، أي كل من يختلف مع الجماعة كما تقتلع الضرس.

اسطنبول - 2

عقد التنظيم الدولي للإخوان مؤتمرا سريا لأول مرة في مصر بمقر الجماعة بالمقطم قبل أسابيع من ثورة 3 يوليو، ولا يعلم أحد عن قراراته شيئا لأن سرية. التنظيم ما زالت سياسة متبعة برغم تداوله شؤونا عربية وإسلامية ودولية لا تهمه وحده، ولكن لأن المسلمين لا يعنونه، فهو لا يعلمهم بما يقرره نيابة عنهم.

الآن بعد عقد مؤتمر اسطنبول بُعيد سقوط نظام الإخوان في مصر، لغرض وحيد، هو مطالبته بعودة مرسي إلى السلطة، والتسليم بمبدأ السمع والطاعة يفترض في هذا التنظيم، وفي الجماعة المصرية بشكل خاص، إعمال العقل وبعض الذكاء السياسي والإدراك بأن ما حدث في مصر قدر إلهي وإرادة شعبية لا راد لهما، وأنهما بدلا من الحديث المكرر عن انقلاب عسكري ضد الشرعية، وتحميل مرسي ما لا يحتمل، كقول البلتاجي بأنه قائد ثورة 25 يناير (هل قادها وهو في السجن؟!) وهو ما لم يقله أحد من قبل، وبدأ الهجوم بل تصعيده ضد امريكا وإسرائيل، والتذكر المتأخر للقضية الفلسطينية وعودة الوعي بها بعد غياب تهليلة "على القدس رايحين شهداء بالملايين" طوال فترة وجود مرسي في الاتحادية. مرسي اقتصر حديثه عن فلسطين على رفض قبول ما يحيق بالفلسطينيين من ظلم ولم يتحدث عن تحرير الأراضي المحتلة ولا مرة واحدة، ولم يطالب إسرائيل بوقف الاستيطان وانتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني، وكان وسيطا في اتفاق مهين مع إسرائيل قبلت بموجبه حماس وقف المقاومة الموصوفة في الاتفاق المقبول منها ومن مرسي بالإرهاب.

على اسطنبول -2 لو عقد أن يسأل أين الخطأ، وأن يراجع مسيرة 85 عاما من الإخفاقات الكبرى، ويساعد الجماعة المصرية على تجاوز المحنة بمناقشة جادة التي لن تخرج منها إلا بتحولها إلى حزب سياسي مدني وديمقراطي غير ديني. وإذا ما أتى مثل هذا المقترح من التنظيم الدولي فسيحفظ ماء وجه الجماعة المصرية ويوفر لها غطاء لدى الشعب المصري لإقناع الممانعين به. وبديهي أنها ستستعين بآيات وأحاديث وبأنها تحولت إلى حزب مدني حفاظا على المصلحة العامة.

أما التنظيم الدولي فعليه حل نفسه، لأنه يتحمل جزءا من مسئولية الفشل، ولانتهاء صلاحيته، ولأن عليه أن يعترف بحق الشعوب بتقرير مصائرها، بنفسها بدون وصاية من قبل تنظيم غير مرئي، شبهه إخواني منشق بالتنظيم الماسوني الذي لا يتفاعل مع الناس علنا، ولم نعرف أسماء بعض أعضائه إلا بعد عقد مؤتمر اسطنبول ولا تعلن أجنداته، وعنوانه مجهول مثل أشخاصه ومصادر أمواله وارتباطاته وما يشاع عن علاقته ببنوك غسيل الأموال الخ. حفظ الله مصر..