آخر تحديث للموقع منذ منذ سنتان و 6 شهور و أسبوع و 3 ايام و 4 ساعات و 13 دقيقه
مقالات
عبدالباري طاهر

إن خرجنا من التاريخ.. هل نخرج من الحياة؟!

الخميس 05 سبتمبر 2013 04:46 مساءً

قبل أعوام، كتب الباحث المهم فوزي منصور، كتاب "خروج العرب من التاريخ". لم تندمل بعد جراح الخروج من التاريخ.

هبت رياح ثورات الربيع العربي، وانطلقت من أكثر المدن العربية تمدناً وتحضراً وعقلانية، من تونس، رافقت شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، وسرعان ما امتدت الريح الطيبة إلى مصر واليمن فليبيا وسوريا.

اهتزت أعمدة معابد الطغاة، وتساقطت أحجارها، وإن لم تنهر بعد.. هناك تحالفات بين قوى مجتمعية نافذة في أنظمة الحكم العربي الفاسد والمستبد، ويتخذ التحالف صوراً مختلفة من قطر لآخر.

النظام السوري كان الأكثر قوة عسكرية وأمنية، ويمتلك دعاوى في المقاومة والممانعة، وقبلاً في الصمود والتصدي. تحالفاته تطال أطرافاً عديدة من الناصريين والماركسيين الموزعين على أكثر من جماعة.

تحت شعار تحقيق التوازن الاستراتيجي، استطاع النظام بناء قوة عسكرية وأمنية راعبة دوخت الداخل السوري، وامتد ترويعها إلى لبنان.. احتفظ لبنان بمستوى معين من الحريات العامة والديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، رغم نفوذ الجنرالات السوريين الحريصين على تقصير قامة لبنان والحريات الصحفية العميقة فيه.

لعب لبنان دور الرئة للحريات في سوريا، وكان متنفساً للكبت العربي من الماء إلى الماء. النظام السوري قمعي منذ مجيء العسكر. والبعث ذو المسحة الديمقراطية في المراحل الباكرة، ابتلعه العسكر ودوخوه بالانقلابات الحائرة التي شارك فيها وكان ضحيتها، وبالأخص منذ مجيء حافظ الأسد.

استطاع الأسد الأب تسليم سوريا على طبق من ذهب لابنه بعد أن صفى مراكز القوى والجانب القوي في الأسرة "ماهر"، ودجن المعارضة السياسية، ولكنه لم يستطع منحه شعبويته أو ذكاءه السياسي.

تطلع السوريون إلى إصلاحات وعد بها الابن الوارث، ولم يجر أي إصلاح في طبيعة النظام أو في الوضع الاقتصادي الاجتماعي والحريات العامة والديمقراطية.

لا أدل على وحدة الأمة العربية من النضال المشترك والموحد ضد الرجعية والاستعمار والصهيونية في مراحل التحرر الوطني. وقد تجلت هذه الوحدة بأزهى معانيها، وأزكى صورها في رياح الربيع العربي التي اجتاحت القلاع المحصنة، واقتلعت بعض الأعمدة: تونس ومصر واليمن.

لم يستطع الابن الوارث الحفاظ على الكرامة الوطنية من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ولا الحفاظ على التوازن في العلاقات العربية الإيرانية، وانحاز لحزب الله على صعيد لبنان.

عندما هبت رياح الربيع على سوريا لم يكن بيده غير الترسانة العسكرية والقبضة الأمنية التي ورثها من أبيه.. بدأت المظاهرات في الريف السوري، ومن حول المدن الكبرى المدججة بأسلحة "التوازن الاستراتيجي" والقبضة الأمنية الحديدية.

في مرحلة الأسد الأب كان مستوى المعيشة لا زال مقبولا. وقد تدهورت الأوضاع الاقتصادية في بلد ما زال دخل الفرد فيه دون المتوسط، والفساد فيه كبير، والقمع الأمني والتضييق على الحريات وتجريم الرأي الآخر هو العملة المتداولة والنهج السائد.

قوبلت الاحتجاجات السلمية بالقمع الشائن، وتنادى الخليجيون، وبالأخص: قطر والسعودية، لحشد وتمويل المرتزقة إلى سوريا.. بدأ التصدع والانشقاقات في الجيش السوري محدوداً، وحرص الحكم الفاشي على الدفع بالمعارضة إلى حمل السلاح، وتحت رعب القمع وإغراءات وإغواءات تركيا والخليج، انجر المحتجون السلميون لحمل السلاح، وكانت بداية الكارثة.

نعرف أن السلاح لم يرفع إلا بعد ما يقرب من 6 أشهر، وبعد مئات وآلاف القتلى.

للنظام الفاشي مصلحة في عسكرة الثورة، ولتركيا وإسرائيل نفس المصلحة أيضاً.

فإسرائيل تدرك خطورة الاحتجاجات السلمية، وتعلم أن انتصارها في سوريا يعني وصولها إلى مدن الضفة والقطاع وفلسطين الداخل. تدمير النظام السوري للقدرات السورية، وتخريب مدن الحضارة العربية الإسلامية، التي يمتد بعضها إلى آلاف السنين، يخدم إسرائيل والصهيونية العالمية، ويزكي دعاواها في احتكار التحضر والتمدن والديمقراطية، ويخلص الحكم التركي من وساطة ومنافسة البضاعة السورية في الأسواق العربية، ويفتح شهيتها على خرافة استعادة الخلافة الإسلامية، وهو ما يخامر المخيلة المعلولة في الحركات الإسلامية.

لا يستطيع النظام الفاشي أن يحاجج إلا بالسلاح، ولا تستطيع إسرائيل وتركيا أن تردا إلا بالسلاح.. الأنظمة الخليجية، خصوصا السعودية وقطر، تخشى من الاحتجاجات السلمية خشية كل الأنظمة الفاسدة المستبدة، وهي أيضاً أكثر استجابة وطواعية للعولمة العسكرية، وهي الممول للحروب الاستعمارية داخل الوطن العربي، وأحيانا أبعد من ذلك.

التلويح بالحرب العولمية التي تقودها أمريكا ضد سوريا، جدي وحقيقي، وقد يكون الخلاف بين الحلفاء من حول العوائد والنفوذ، ولتقدير حجم العدوان وزمانه، وتوسيع تحالفاته ودراسة انعكاساته.

العدوان هدف إسرائيلي وأمريكي واستعماري بالأساس، والأنظمة التابعة ملتزمة به وممولة له، والمعارضة المسلحة، وبالأخص المرتزقة في جيش النصرة، أجراء حرب ليس غير.. الشيء اللامنطقي أن يظهر التابعون الممولون والخاسرون أيضا أكثر حماسا للحرب من المخططين والمنفذين المستفيدين الأساسيين. المرعب حقا أن المعارضة السورية المسلحة هي أكثر متسول لتدمير سوريا، واحتلال أرضها من الغزاة أنفسهم.. حكام الخليج مرغمون على تمويل الحرب، وقد تستجيب لأهوائهم في إبعاد شبح الثورة السلمية، وتدغدغ عواطف طائفية زائفة، وقد يعني أيضا إضعاف النفوذ الإيراني المحدق بمناطقهم، ويعبر عن روح الانتقام والثأر.

العدوان قائم وقادم، والتلكؤ مرده إلى حسابات القوى الاستعمارية، وبالأخص أمريكا.. الإشارات المكرورة لأوباما حول محدودية الضربة مفجعة حقاً. فالقوى المحشودة في إسرائيل وتركيا والأردن، وفي القواعد العسكرية في أكثر من منطقة، وفي الأبيض المتوسط، ليست لضربة محدودة، وإنما لتدمير سوريا، وانتزاع سلاحها وتجريدها من قوتها وتدمير جيشها، وربما أبعد من ذلك بكثير. ضرب القوة السورية هو خدمة للأهداف الإسرائيلية، وحتى لا يأتي نظام قومي حقا ليواجه بها المحتل الإسرائيلي.. الأمريكان والإسرائيليون حريصون على تجريد المنطقة والأمة العربية من أية قوة، ويريدون أن تكون إسرائيل هي القوة الوحيدة، وسوريا تعاقب لامتلاكها سلاحا يمكن أن يستخدم ضد إسرائيل، وليس لأن النظام يستخدم هذا السلاح ضد شعبه وأمته.

قتل النظام قرابة 120 ألف سوري، ولم يهتم أوباما ولا أوروبا ولا أمراء الخليج وأردوجان. ما يحرك هؤلاء جميعا مصالحهم، وحماية إسرائيل، والنفط.

تدمير القوة السورية رسالة مفتوحة لإيران وحزب الله.. حصة الدول التابعة في الخليج ليست أكثر من إذكاء الصراع السني الشيعي، والإنفاق الباذخ على الحرب، ولكن خسارتها ستكون أكبر بعد تدمير العراق وتسليمه لإيران، وتمكين تركيا وإسرائيل من سوريا.. الأنظمة التابعة مهجوسة بالثورات، وقد عانت أو بعضها على الأقل من الثورات القومية.. الخطيئة أنها ترغب في التوقي من ثورات الربيع العربي بإغراقها في الحروب في أكثر من مكان، غير مدركة أن هذه الرياح لا يستطيعون ردها، لأنها تنبعث من الأعماق، ولا تحتاج مؤامرة أو قوة عسكرية أو تخطيطا مسبقاً.