آخر تحديث للموقع منذ منذ سنتان و 10 شهور و أسبوع و 4 ايام و 10 ساعات و 31 دقيقه
أخبار اليوم

اليمن: نجاح الحوار ضروري

صدى: ناصر الربيعي | الثلاثاء 10 سبتمبر 2013 10:09 مساءً

يوم الأحد 8 أيلول/سبتمبر، استأنف أعضاء الحراك الجنوبي مشاركتهم في مؤتمر الحوار الوطني اليمني بعد مقاطعة استمرّت شهراً كاملاً. تُظهر عودتهم - عقب سلسلة من الاجتماعات مع جمال بن عمر، مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن، والتي تمحورت حول إمكانية عقد مؤتمر منفصل للحوار بين الشمال والجنوب بعد انتهاء مؤتمر الحوار الوطني على أن يجري إشراك مجموعات انفصالية أخرى (ليست كلّها جزءاً من الحوار الحالي) - أن مؤتمر الحوار الوطني تخطّى العقبة الأخيرة التي كانت تعرقل انعقاده. ومع أن نجاح الحوار لايزال غير مضمون على الإطلاق، إلا أن فشله سيقود حتماً إلى الحرب.

استأنفت كل جلسات المؤتمر أعمالها اعتباراً من يوم الاثنين، بمشاركة الحراك الجنوبي. وقد كان الحراك، يقاطع المؤتمر في محاولة لضمان المطالب المشروعة ضد هيمنة القوات الشمالية، ولكن لم تكن المقاطعة خيارا قابلا للتطبيق ولم يعد أمامه خيار سوى العودة إلى المؤتمر. ويقول منير الماوري، وهو كاتب ومحلّل سياسي يمني مقيم في واشنطن، إنه لم يكن أمام الحراك من خيار حيوي سوى استئناف مشاركته في المؤتمر: "لايجرؤ أي طرف على الإطلاق الوقوف إلى جانب الحراك، خوفاً من التهديدات الدولية". وقد تعرّض الحراك للضغوط من المجتمع الدولي كي ينخرط من جديد في الحوار الوطني: فقد عاد محمد علي أحمد، رئيس فريق القضية الجنوبية في مؤتمر الحوار الوطني، من لندن إلى صنعاء بعد تعرّضه الأسبوع الماضي لضغوط من المسؤولين البريطانيين. وقبل مغادرة المملكة المتحدة، كان محمد علي أحمد قد توجّه برسالة إلى الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، قال فيها إنهم يريدون الآن الدخول في مفاوضات مباشرة مع الشمال، على أن تُجرى في بلد محايد، وذلك بهدف تشكيل دولة فدرالية. وقدصرّح للمراسلين "عدنا إلى الحوار من أجل استعادة الدولة الجنوبية المستقلة". ومع أن أحمد اعتبر مع الانفصاليين الآخرين أن السبب الذي كان وراء قرارهم بالعدول عن مقاطعة المؤتمر هو حصولهم على وعد بمواصلة الحوار بين الشمال والجنوب، إلا أن الضغوط المحلية والدولية التي يتعرّضون لها من أجل الجلوس من جديد على طاولة المفاوضات كانت ستدفعهم في مختلف الأحوال إلى إنهاء المقاطعة. كما أن الجنوبيين الأكثر تعنّتاً في تأييدهم لقيام دولة جنوبية مستقلة لم يكونوا جزءاً من مؤتمر الحوار الوطني، ولذلك ربما كان الطلب الذي تقدّم به الأفرقاء الجنوبيون المشارِكون في مؤتمر الحوار الوطني من أجل إطلاق مفاوضات منفصلة حول الجنوب، يهدف إلى استرضاء أولئك الجنوبيين الذين يؤيّدون الانفصال لا الحوار.

قُسِّم المشاركون الـ565 في مؤتمر الحوار الوطني، الذي يمتدّ لستة أشهر تنتهي في 18 أيلول/سبتمبر الجاري، إلى تسع لجان لتغطية المسائل التسع الأساسية في الحوار. خلال مقاطعة الحراك لمؤتمر الحوار، كان نصف المندوبين على الأقل يتغيّبون عن حضور الجلسات التي كانت تنعقد بصورة شكلية فقط من دون أن تُحقّق أي تقدّم يُذكَر في المسائل الأساسية. والآن بعدما أنهى الحراك مقاطعته، لم يبقَ أمام المؤتمر متّسع من الوقت لمناقشة هذه النقاط. لفتت بلقيس اللهبي، نائب رئيس فريق القضية الجنوبية، إلى أنه ثمة إمكانية لتمديد مؤتمر الحوار الوطني: "أظن أننا قد نمدّد لشهر واحد على الأقل من أجل البتّ في المسائل الثلاث الأهم والأكثر خلافية: الحراك، والصعدة [في إشارة إلى الحوثيين]، وبناء الدولة".

وتشكّل الغارات التي تشنّها الطائرات الأميركية غير المأهولة في اليمن عائقاً إضافياً أمام عملية الحوار الحافلة أصلاً بالتعقيدات. ففي الفترة الممتدّة من 28 تموز/يوليو إلى 10 آب/أغسطس 2013، شهد اليمن سلسلة غير مسبوقة من الغارات الجوية بواسطة الطائرات غير المأهولة، والتي استهدفت سيارات متحرِّكة يُشتبَه في نقلها عناصر من تنظيم القاعدة، الأمر الذي أسفر عن مقتل 42 شخصاً منهم مواطنون سعوديون. وقد استهدف العديد من هذه الهجمات السعودي إبراهيم الربيش، نائب رئيس تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، الذي تصدّر اللائحة التي وضعتها الحكومة اليمنية لـ25 إرهابياً مطلوبين للعدالة في عمليات اغتيال طالت شخصيات أمنية وعسكرية، وكذلك على خلفية ضلوعهم في تهديدات إرهابية. إذا تأكّد مقتله، فتكون الغارات الجوية الأخيرة قد حقّقت نجاحاً نوعياً.

في غضون ذلك، لم تساهم هذه الهجمات فقط في توسيع دائرة التعاطف مع تنظيم القاعدة - الذي يستغلّ دائماً هذه الغارات لتجنيد مزيد من المقاتلين - بل ولّدت أيضاً معارضةً للرئيس اليمني وحكومته احتجاجاً على سماحهما للولايات المتحدة بقتل اليمنيين وانتهاك السيادة اليمنية. فعلى سبيل المثال، في 18 آب/أغسطس الماضي، نظّم مسلّحون من أبناء القبائل في محافظة مأرب تظاهرة احتجاجاً على الغارات التي تشنّها الطائرات غير المأهولة، ولوّحوا بأعلام القاعدة. وفي مطلع الأسبوع نفسه، نظّم أعضاء في جماعة "أنصار الله"، أي الجناح العسكري للتيار الحوثي، تظاهرة مشابهة في صنعاء هتفوا فيها: "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، والنصرة للإسلام". وقد استخدم الانفصاليون قضية الهجمات الجوية ذريعة إضافية لمقاطعة الحوار، ووجّه المشاركون في مؤتمر الحوار الوطني انتقادات حادّة اللهجة لهذه الغارات (اقترحوا أيضاً إقرار قانون لحظر استخدام الطائرات غير المأهولة، إلا أنه من غير المرجّح أن يسلك هذا الاقتراح طريقه نحو التنفيذ في ظل الحكومة الراهنة) من أجل امتصاص الغضب الشعبي في هذا المجال.

ختاماً، معظم اليمنيين لايتوقّعون الكثير من الحوار، لكنهم يشعرون بأنه إذا فشل المشاركون في مؤتمر الحوار الوطني في التوصّل إلى نتيجة، فالبديل الوحيد هو الانزلاق نحو مزيد من النزاعات المسلّحة وتفاقم الفلتان الأمني. يقول محمد أمين، وهو بائع فاكهة: "نريد من المشاركين في الحوار أن يقوموا بما عليهم، لانريدهم أن يعودوا إلى الحروب. هذا كل مانتوخّاه". وأضاف: "لاأتوقّع منهم أن يحسّنوا معيشتي على الإطلاق، [لكن] الحرب أسوأ بكثير". إلا أنه بمعزل عن إمكانية تمديد الحوار، المعيار الذي يمكن أن يحدّد نجاحه في المرحلة الراهنة هو التوصّل إلى تسوية جزئية للمسائل المذكورة آنفاً. فيما يشارف الحوار على نهايته، غالب الظن أن العقبة المقبلة أمام اليمن تتمثّل في الانتخابات الرئاسية وفي التمديد أو عدم التمديد للرئيس الحالي. ومما لاشك فيه أن هذه المسألة ستشكّل مادّة خلافية إضافية بين الفريقَين السياسيين الأساسيين، ولاسيما أن حزب الإصلاح الإسلامي يؤيّد تمديد ولاية هادي في حين يعارضه المؤتمر الشعبي العام. 

ناصر الربيعي صحافي يمني مقيم في صنعاء يساهم بانتظام في نشرة صدى.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.