آخر تحديث للموقع منذ منذ سنتان و 10 شهور و 3 ايام و 9 ساعات و 22 دقيقه
أخبار اليوم

الاختطاف كمفردة إرهابية

عبد الباري طاهر | الأحد 13 أكتوبر 2013 08:18 مساءً
الاختطاف كمفردة إرهابية
عبد الباري طاهر
الإرهاب هو المعنى الجامع والشامل لمفردات عديدة منها: الاختطاف، والاختفاء القسري، والاغتيال، وقطع الطريق، وتدمير أنابيب النفط أو الماء أو الكهرباء، أوبث الرعب والذعر بمختلف الصور والأشكال. تشهد اليمن منذ طرح مبادرة التعاون الخليجي، وبداية الحوار الوطني الشامل تصاعداً مطرداً في أعمال الإرهاب: سواء اغتيال ضباط الجيش وبالأخص القادة الجنوبيون والطيارون وضباط الأمن السياسي، واستهداف الجيش والأمن، والاعتداء المدمر على العديد من وحدات الجيش وبخاصة في بعض المحافظات الجنوبية.
والاختطاف إجبار إنسان بالقوة المادية أو المعنوية على التوجه إلى مكان والمكث فيه ضداً على إرادته. والحقيقة أن الاختطاف وقطع الطريق يتضمن معنى من معاني "الحرابة" في المفهوم الإسلامي: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أوتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم).[ المائدة:33]. والقصة هنا تتعلق بالعُرنيين الذين قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم، وسملوا عينه، وهربوا بإبل الصدقة.
وشدة الزجر والنكال يفضح تخاذل الدعاة خصوصا في اليمن الذين يخفت صوتهم إزاء الاغتيالات والخطف خصوصا للمقيمين من غير العرب والمسلمين. والانشغال بتكفير وتجريم الدولة المدنية ودستورها "النظري" بينما لا يواجهون جرائم الإرهاب الذي يدمر اليمن على غير صعيد، ويحرث نهج التكفير والتخوين العقول اليباب بجرائم العنف والإرهاب وينظر إليهما كمقدس وعبادة.
لن نتوقف طويلاً إزاء تعريف الإرهاب، ولا تردد الدول العظمى، والمؤسسات الدولية إزاء التعريف. فالدول العظمى ودول المحيط والغة من "إرهاب الدولة". باحثون مهمون يعتبرون أو يقسمون الإرهاب إلى أصلي وثانوي، ويعتبرون الأصلي إرهاب الدولة، والثانوي إرهاب المنظمات والاتجاهات والأفراد. وحقيقة فإن الإرهاب هو الإرهاب أياً كان نوعه أو لونه أو حجمه. ولكننا ندرك أيضاً أن هناك إرهاباً خالقاً، فإرهاب الدولة العظمى يخلق إرهاباً دولياً. الإرهاب المعولم: فلسطين ، العراق، أفغانستان، وغيرهم. أما إرهاب الدولة الصغيرة فبمقدار تأثيرها.
إرهاب الدولة إرهاب مؤسس لأنه يخلق ردود أفعال إرهابية، وهي وإن كانت غير مبررة إلا أنها غير معزولة عن إرهاب أجهزة الدولة الفاسدة والمستبدة . وتجسد اليمن بسياساتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أنموذج الخلق الشائه للإرهاب، فكل ما في الحياة : الجوع، البطالة ، الفساد، الاستبداد، الغبن الاجتماعي؛ كلها مستنقع إرهاب وفتن. فاقتصاديا يقبع أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر، ويعاني أكثر من مليون طفل من المجاعة. وتتبوأ اليمن مرتبة متقدمة في سوء التغذية وتدني مستوى المعيشة، ونسبة مرتفعة من البطالة والتضخم، وتسيد الفساد، ونهب وتدمير الثروات. عدد قليل من العائلات يحصد أعلى نسبة من الدخل بينما يعيش أكثر من70% يعانون من سوء التغذية. ويتسبب احتكار السلطة والثروة في صراعات دامية وعنف وإرهاب مدمرين تتجلى مظاهرهما البشعة على أكثر من صعيد. تحالف رأس القبيلة والعسكر الخارج من رحم القبيلة أيضاً، والرأسمالية الطفيلية، خلق وضعاً اقتصادياً شائهاً أدى، خصوصاً بعد حرب ١٩٩٤، إلى نهب القطاعين العام والمختلط وتحويل الثروات والمال العام إلى غنيمة وفيد، ودفع بالملايين إلى المجاعة والبطالة واليأس، وكلها بيئة خصبة لتوليد العنف وتفريخ الإرهاب. واجتماعيا وثقافيا فإن بقايا التركيبة القبلية ومفاهيم الثأر والغلبة والفيد وضعف الوازع الديني والاخلاقي والتحالف السياسي بين مثلث شيوخ الضمان والقادة العسكريين والأمنيين والرأسمالية الطفيلية والإسلام السياسي – هذا التحالف الشرير المنقسم على نفسه والمتصارع على اقتسام الكعكة هو ما يخلق الفتن والحروب، والعنف والإرهاب، ويدفع بالبلاد إلى الكوارث والدمار. سياسة الإقصاء والتهميش والتكالب والنهب المريع خارج إنتاج الثروة أو الإسهام في إنتاجها هو منبع الفساد والاستبداد وكلاهما منابع إرهاب وعنف. البنية القبلية المدججة بأسلحة الأميتين: الأبجدية والمعرفية وتسويد مناهج التكفير والتخوين وخطاب خطباء المساجد المحرض على صراعات الطوائف والإعلام المتطرف واللاعقلاني كلها منتجة إرهاب.
مثلت مبادرة التعاون الخليجي نقطة إنطلاق وأرضية تحاور بين أطراف التحارب والعنف ، وأطراف التصارع السياسي وبمقدار ما عطلت أو أجلت المواجهة الشاملة بين تحالف الحكم والحرب فإنها -أي المبادرة – قد أبقت جذوتها مشتعلة ، تعلن عن مكبوتها عبر إفساح السبيل أمام قوى الإرهاب والقاعدة وأنصار الشريعة وتيارات الجهاد السلفي.
بقاء الانقسام والتصارع بين الجيش والأمن ثغرة كبيرة ينفذ منها الإرهاب واستمرار تصاعد العنف ، ويوفر مناخا ملائما للاختراق والتسلل، وتصاعد الاختطاف.
ليس سرا أن القاعدة والجهاد الإسلامي كان جزءا من تحالف حرب ١٩٩٤ وأقصي "المجاهدون" عقب الحرب مباشرة مما ترك ردود فعل تمثلت في جيش عدن – أبين – وفي ضرب المدمرة كول والسفينة الفرنسية وبعض قيادات هذا التيار كانوا أعضاء في المؤتمر الشعبي العام ولجنته الدائمة .
هناك تلاق بين العديد من مفردات الإسلام السياسي الجهادي أو المتطرف وأقطاب نافذة حتى اليوم في الحكم ، ولا يحتاج الدارس لجهد كبير ليدرك الروابط بين هذه المفردات ونافذين في قيادات الجيش والأمن والحكم.
لم يكن الاختطاف شائعاً في الحياة والتقاليد القبلية و كان الأسر هو الشائع في الحروب القبلية والرهائن. بدأ الاختطاف يبرز بصورة لافتة بعد الوحدة في آل ٢٢ من مايو ١٩٩٠. ولعل من أوائل المختطفين الملحق الإعلامي بالسفارة الأمريكية "ماهوني"، وقد اختطفته مجموعة من خولان، وظل لبضعة أسابيع، تم تتالى الاختطاف للسواح وأحيانا للابتزاز وتصفية حسابات. كان الاختطاف مؤشراً مهما من مؤشرات بدء الصراع بين شريكي الحكم: المؤتمر والاشتراكي، واتخذ الاختطاف صيغة فرض مطالب معينة على الحكم وبداية التحضير للحرب حينها.
اللافت حينها أن الاختطاف خصوصاً للسواح والأجانب كان يسوق أو يغطى في أجهزة الدعاية والإعلام الحزبي التابع للمؤتمر الشعبي كمكرمة يمنية! وكتعبير عن كرم الضيافة اليمني والاحتفاء بالمخطوفين، وصور الأمر وكأنه دعاية وترغيب سياحي، وجزء من تقاليد السياحة في اليمن، في حين أنه موضع زراية وتندر العالم على اليمن وأهله، ومؤشر حقيقي للتحضير لحرب ١٩٩٤. مرة أخرى مع نهايات الحوار يعود الاختطاف سيرته الأولى كمؤشر و"مبشر".
القوى الحاكمة نفسها التي حضرت للحرب وأشعلتها تعود للمسلسل إياه: الاختطاف، الاغتيال السياسي والذي طال العشرات من القيادات العسكرية الكفؤة والمجربة والمدربة والجنوبية منها بصورة لافتة: بارشيد، الردفاني، المحضار، سالم قطن، والأخير هو بطل إخراج القاعدة من أبين.
بعد الالتفاف على مبادرة التعاون وآليتها التنفيذية وتزويقها يبدأ التنفيذ أو التحضير لما بعد المبادرة؛ فالقوى الحاكمة بالأمس – الحاكمة والمتصارعة اليوم - لا تزال تمسك بمفاتيح اللعبة كلها .
الواقع أن أطراف الصراع الدامي استطاعت استيعاب المبادرة، وطوعت الجوانب الإيجابية فيها لما يستجيب لمصالحها ونهجها العام؛ فلم يهيكل الجيش المنقسم حتى اليوم، ويتعرض للقتل الجماعي، ويدمر سلاحه وكوادره، ولم تنفذ النقاط العشرون والإحدى عشر المتوافق عليها.
يخرج المؤتمر بحصيلة نظرية طيبة لا يقلل من أهميتها لكن الواقع البائس يزداد بؤسا، فلم تعالج القضايا الحقيقية التي خرج الشعب من أجلها، كما أن المبادرة التي مثلت في جانب معين لقاء تصالح عام وبالأخص بين المنقسمين المتحاربين قد جرى الالتفاف عليها، واستمرار التحارب بالاختطاف والاغتيال، وتدمير الجيش ونشر الإرهاب والعنف.
صحيح أن الطابع الرائس للاختطاف في الأعوام الماضية منذ اختطاف الدبلوماسي السعودي عبد الله الخالدي قد اتسمت بطابع الابتزاز، أو الحصول على الفدية أو المطالبة بإطلاق سراح بعض المعتقلين منهم.
وقد اختطف العشرات خلال الأعوام الماضية، وتشير صحيفة المصدر 7 أكتوبر 2013م إلى أنه:" ووفقاً لإحصائيات رسمية فقد شملت عمليات الاختطاف خلال السنوات العشر الماضية ٣٥٠ أجنبياً تم إطلاق معظمهم بعد دفع فديات وتلبية الحكومة لمطالب الخاطفين، حيث كانت أهداف عمليات الاختطاف خلال العقد الماضي تتمثل في المطالبة بمشاريع خدمية في المناطق القبلية للخاطفين، أو إطلاق سجناء، إلا أن أهداف الخاطفين تطورت إلى بيع الرهائن لتنظيم القاعدة الذي يستغلهم للمطالبة بفديات مالية والحصول على تمويل لأنشطته. والواقع أن دخول بعض الدول العربية ودفع الملايين كفدية فد فتح شهية القبائل والقاعدة للمزيد من الخطف حتى لبعض اليمنيين.
خطف الصحفية الهولندية "جوديث" وزوجها والمترجم الأمريكي "لوك سومر" لا يخرج عن دائرة الابتزاز والاتجار، لقد طال الخطف عدداً من الصحفيين اليمنيين منهم : الزكري و...
وقد كشف الزملاء الصحفيون المختطفون في بعض مناطق خولان عن علاقات بين الخاطفين ومسئولين كبار في الدولة قائمة على اقتسام عوائد الاختطاف، والكارثة أن تقوم الدولة ودول أخرى بمكافأة الخاطفين بدلاً من معاقبتهم.
في لقاء صحفي تضامني أقامته النقابة الصحفية يشهد الصحفيون أن خاطفيهم مجرد "أجراء" لمسئولين كبار يستغلون فقر القبائل لدفعهم لارتكاب جرائم وابتزاز الدولة في دفع التعويضات والاستيلاء عليها، ودفع مبالغ زهيدة للأجراء القبليين.
شيئاً فشيئاً تصبح اليمن غابة اختطاف وسوق نخاسة؛ فخلال هذا الأسبوع يقتل الدبلوماسي الألماني بعد فشل اختطافه ويختطف السيراليوني العامل في اليونسكو، وتجري محاولة اختطاف الشاهد الوحيد في مقتل الخطيب وأمان، كل هذا وسط عاصمة معززة ومطوقة بنقاط التفتيش وبانتشار المسلحين.
الاختطاف إعلان داوٍ - وفي مستوى دولي – عن فقدان هيبة الدولة، وتآكل شرعيتها، وإبراز عدم قدرتها على حماية الأمن والسلام والاستقرار، وفي الوقت مورد مهم لتمويل الأعمال الإرهابية واجتذاب المنخرطين الذين يدفع بهم واقع الأزمة الشاملة والمجاعة للالتحاق بالإرهاب وهو ما فطن إليه الوزير بوزارة الخارجية البريطانية لشئون الشرق الأوسط اليرستربيرت الذي قدر ما حصلت عليه القاعدة خلال العامين الماضين بعشرين مليون دولار (المصدر). في حين أصبح هذا التمويل مقلقاً لكل أصدقاء اليمن وحذرت بريطانيا من استمراره.
الأطراف الراعية للمبادرة ومجلس الأمن لا يزالان يضغطان على هذه الأطراف، ويحاولان فرض حلول للجنوب وصعدة وصيغة جديدة للحكم والدستور لا يقبل بها الطرفان، والاختطاف المتواصل والاغتيال والحروب المحدودة كلها تعبير عن هذا الرفض. ويريد الطرفان المتصارعان إيصال التصارع إلى مرحلة يتخلى فيها العالم عن اليمن لفرض الصوملة التي دعا إليها صالح منذ الوهلة الأولى للثورة الشعبية السلمية.
إن احتواء الجوانب الإيجابية في المبادرة ولائحتها التنفيذية والقفز على نتائج الحوار والقبول بها نظرياً وتجازوها عملياً هو واقع الحال.
كانت المبادرة الخليجية ومرحلة الحوار فرصة لإعادة الاقتسام حسب التوازن الذي صنعته ثورة فبراير ٢٠١١.
إقصاء الثورة الشعبية السلمية وعدم حل القضية الجنوبية وصعدة ورفض القبول بقيام حكم مدني ديمقراطي وإعادة صياغة الحكم كإرادة أبناء اليمن هدف عام ومشترك، ويبقى التصارع  محصوراً في اقتسام الكعكة ورغبة كل طرف بالاستفراد والغلبة.
هناك أسباب وأنواع عديدة للاختطاف فغياب العدالة واحتكار السلطة واختطافها واختطاف الجيش والأمن واختطاف الثروات القومية، والاستحواذ على كل شيء من قبل أقلية تعد بأصابع اليدين، هو ما يدفع إلى تفشي
العنف والإرهاب والثأر والاختطاف وكل مفردات الحرب الكريهة، ولا مخرج غير إعادة صياغة الدولة اليمنية أو بالأحرى إعادة البناء على أسس مدنية وحديثة وديمقراطية، وبما يحقق التشارك بين الشمال والجنوب والشرق والغرب وبين كل مكونات الشعب اليمني، وبما يحقق التوافق المجتمعي والعدل الاجتماعي.