آخر تحديث للموقع منذ منذ سنتان و 11 شهر و أسبوع و يومان و 7 ساعات و 33 دقيقه
مقالات
السفير مروان نعمان

القضية الجنوبية .. مدخل بناء الدولة الجديدة

السبت 16 نوفمبر 2013 03:55 مساءً

القضية الجنوبية .. مدخل بناء الدولة الجديدة

السفير مروان عبدالله عبدالوهاب نعمان

مدخل

(1)               بداية، ودونما إسهاب في سرد عاطفي لقيمة ومكانة الوحدة اليمنية في نفوس أبناء الشعب اليمني، وبحسب مقتضيات المنطق، فإن المقدمات الخاطئة تقود إلى نتائج خاطئة. ونحن نرى أن إعلان الوحدة اليمنية وقيام "الجمهورية اليمنية" في 22 مايو 1990، إنما تم على أنقاض الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وعندما نقول "إنقاض" فإننا نعني ما نقصده تحديداً. ذلك أن الجمهورية الوليدة جاء وهي مثخنة بموروث قاتم ومؤلم من المآسي والمظالم، ومثقلة بإخفقات متوالية لمسار تاريخ اليمنيين في بناء الدولة الحلم، في شمال الوطن وجنوبه على حد سواء، في "الجمهورية العربية اليمنية" و "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية"[1].

(2)               وثانياً، لسنا بحاجة إلى استعراض تاريخ اليمن القديم والحديث، للبحث في "القضية الجنوبية"، لأننا نرى أننا محكومون بمعالجة القضية في إطار التفويض الممنوح لمؤتمر الحوار الوطني، كما جاء في الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية[2] وقراراي مجلس الأمن 2014 (2011)[3] و2051 (2012)[4].

(3)              وأخيراً، فإننا نؤمن بأن "القضية الجنوبية"، بكل أسبابها ومظاهرها وأعراضها والتي سيتم تناولها لدى استعراض "محتوى القضية الجنوبية"، وأن الحراك الجنوبي السلمي، منذ بداياته الأولى في العام 2007، كانا المقدمة الأولى لثورة الشباب السلمية التي اندلعت في فبراير 2011، وأن هذه القضية الجنوبية ستشكل المحور الأساسي لكل تفرعات بناء الدولة اليمنية المدنية العادلة، وفق الدستور المرتقب أن يؤسس لليمن الجديد، ويضع اليمن واليمنيين، لأول مرة في التاريخ على المسار الصحيح لبناء الوطن الذي قدم شهداء الحراك السلمي وشهداء ثورة الشباب السلمية أرواحهم ودمائهم من أجل ضمان المستقبل الآمن للأجيال القادمة.

مقدمات الوحدة ضرورة لازمة لفهم جذور "القضية الجنوبية"

(4)               في 30 نوفمبر 1989، وقع رئيس الشطر الشمالي علي عبدالله صالح مع علي سالم البيض الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني[5] "اتفاق لقاء قمة عدن"، لتحقيق "الوحدة اليمنية أرضاً وإنساناً ووصولا إلى تحقيق كامل استقرار وأمن وتطور ونماء الوطن اليمني" من أجل "وضع اللمسات الأخيرة لإعلان قيام دولة الوحدة، وبناء على الاتفاقيات والبيانات الموقع عليها من قيادتي ومسئولي الشطرين، واستمرارا في تهيئة المناخ السلمي والديمقراطي اللازمين لإنجاز الخطوات الوحدوية وصولا لدولة الوحدة"، وتم، حسب ماجاء في الاتفاق، "المصادقة وإقرار مشروع الدستور الدائم لدولة الوحدة، الذي أنجزته اللجنة الدستورية المشتركة بتاريخ 30/12/1981"، "تنفيذاً لما ورد في ثانياً من اتفاقية الكويت، وعلى أن تستكمل الإجراءات المتفق عليها في الاتفاقيات السابقة وعلى وجه الخصوص المواد التاسعةـ والعاشرة، والحادية عشرة، والثانية عشرة، والثالثة عشرة من اتفاقية القاهرة.[6]"

(5)               إن اتفاق 30 نوفمبر 1989، إنما كان تتويجاً لاتفاقات "وحدوية" سابقة، لم تكن في الأساس إلاّ نتائج لذلك الموروث القاتم والإخفاقات المتوالية لكل من شارك في حكم وإدارة النظامين الشطريين السابقين والسيطرة على الشعب اليمني ومقدراته، في الجمهورية العربية اليمنية منذ 26 سبتمبر 1962، وجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية ثم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية منذ 30 نوفمبر 1967، والموروث القاتم والإخفاقات المتوالية السابقة على الثورة في الشمال قبل 26 سبتمبر 1962 والثورة في الجنوب في 14 أكتوبر 1963، لكل أطراف الحركة السياسية اليمنية دون استثناء.

(6)               وسبق اتفاق 30 نوفمبر 1989 ذلك، إتفاقية القاهرة، وبيان طرابلس[7]، ولقاء الجزائر[8]، ولقاء تعز- الحديدة[9]، ولقاء قعطبة[10] ، وقرار الجلسة الطارئة لمجلس الجامعة العربية في الكويت[11] ثم بيان قمة الكويت[12]، وبيان لقاء صنعاء[13]، واتفاق عدن[14]، واتفاق صنعاء[15]، واتفاق تعز[16]، واتفاق عدن[17]، واتفاق تعز[18]، ثم قمة تعز[19]، واتفاق تسهيل تنقل المواطنين بين الشطرين[20].

(7)               وكل هذه الاتفاقات، استهدفت في الإساس، حلولاً مرحلية لصراعات أيدلوجية، أخذت طابعاً عسكرياً في كثير من الأحيان، بين النخب الحاكمة المتصارعة، على امتداد شطري الوطن وبين الحكام المتعاقبين عليهما داخل كل شطر، ولم تكن تستهدف، حقيقةً، تحقيق وحدة الأرض والإنسان اليمني.

(8)              لقد لعبت الحرب الباردة في ستينيات القرن الماضي دورها في تسليم الشطر الجنوبي من الوطن للجبهة القومية في مفاوضات غير متكافئة تنصلت فيها بريطانيا من كل التزاماتها تجاه عدن المستعمرة واتحاد الجنوب العربي،[21] الذي أقامته في محميات عدن الشرقية، وتجاه محميات عدن الغربية، وتسلمت الجبهة حكم الجنوب مقابل 12 مليون جنيه استرليني لستة أشهر بعد الاستقلال، بعد أن تخلصت من كل خصومها السياسيين "جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل" و"التنظيم الشعبي الثوري"، بفضل اصطفاف الجيش الإتحادي والشرطة المسلحة إلى جانبها.

(9)      وفي المحصلة النهائية فإن بريطانيا فرضت إرادتها في الخروج من جنوب اليمن وإعلان قيام "جمهوربة البمن الجنوبية الشعبية" بطريقة تخالف مبدأ حق تقربر المصير، وأختارت التفاوض على أعلان الكيان الجديد في جنييف مع الجيهة القومية وممثلين عن الجيش الاتحادي الذي اختار الانحياز للجبهة ضد جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل في حربهما الأهلية[22]، وممثل عن جيش البادية الحضرمي[23]، بعد إقصاء سلاطين ومشائخ "إتحاد الجنوب العربي"، وسلاطين القعيطي والكثيري والمهري، ولم يكن أقليم الكيان الجديد معروفاً إلى ما قبل أشهر معدودة الاستقلال، حيث لم تكن تلك المحميات، "محميات عدن الشرقية"[24]، جزء من "إتحاد الجنوب العربي" أو "محميات عدن الغربية" ومستعمرة عدن، فضلاً عن اسم الكيان الجديد "جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية" لم يكن قد تقرر قبلأيام معدودة من 29 نوفمبر 1967.[25]

(10)    وبدأت بدأت مسلسلات الإقصاء والتهميش والمطاردة والإقصاء، ودخل جنوب الوطن دورات العنف منذ الأشهر الأولى للاستقلال، انتهاءاً باحداث 13 يناير 1986 السيئة الصيت الذي ذهب ضحيتها ما زاد عشرة ألف مواطن، وهروب "الزمرة" بقيادة الرئيس علي ناصر محمد، وسيطرة "الطغمة" بقيادة علي سالم البيض وحيدر العطاس.

(11)           وكانت الحرب الباردة قد لعبت نفس الدور في نجاح "تنظيم الضباط الأحرار" في الشمال في ثورة 26 سبتمبر 1962، بدعم من مصر عبدالناصر، وهي الثورة التي دخلت في حرب أهلية مع الملكيين، مارست خلال الوجود المصري لإسنادها، وبعد خروجهم في 30 نوفمبر 1967 بالتزامن مع خروج آخر حندي بريطاني، وقد ذهب آلاف اليمنين في الشمال ضحايا لتلك الحرب من الملكيين والجمهوريين، وتم المصالحة بين الجانبين.

(12)          وباستقرار النظام الجمهورية، بدأت القيادات العسكرية بالصراع من داخلها للهيمنة على السلطة، لتركيزها في يد أبناء شمال الشمال، ودخل الشمال دورات عنف متواصلة بدأت بأحداث أغسطس 1968، وانتهاءاً باغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي والرئيس أحمد الغشمي، وتولي علي عبدالله صالح سدة الرئاسة حتى قيام "الجمهورية اليمنية"، جرى خلال الصراعات إقصاء هيمنة شمال الشمال على الجيش ومفاصل الحكم.

(13)          ومن مفارقات القدر أن نهاية الحرب الباردة كان لها دوراً جوهريا في دفع النظامان في شطري الوطن الهروب إلى نحو الوحدة، حيث أعلن، في نفس الشهر الذي سقط فيها سور برلين العتيد، الذي مثل سقوط الإنظمة الاشتراكية في أوربا، وفي مقدمتها الاتحاد السوفييتي السابق، وانهيار حلف وارسو، أعلن رئيسا الشطرين من عدن أن الدستور الذي أنجز عام 1981 سيتزل  للاستفتاء عليه في نوفمبر 1990.

(14)          غير أن الشطرين، وفجأة، وبالمخالفة لمقتضيات اتفاق 30 نوفمبر 1989، وقعا "اتفاق إعلان الجمهورية اليمنية وتنظيم الفترة الانتقالية" المبرم بين شطري الوطن اليمني والموقع في 27 رمضان 1410 ‏هجرية الموافق 22 أبريل 1990.

(15)          وفي 22 ‏مايو 1990 ‏تم إعلان قيام "الجمهورية اليمنية"، بدلاً من 26 مايو حسب اتفاق 22 أبريل 1990، بعد أن تمت مصادقة برلماني الشطرين السابقين على تلك الاتفاقية في 21 ‏مايو‌ 1990، وعلى مشروع دستور البلاد بموجب ما تتطلبته المادة 8 ‏من "اتفاق إعلان الجمهورية اليمنية وتنظيم الفقرة الانتقالية" المذكور أعلاه.رغم مخالفة ذلك لاتفاق القاهرة وكل الترتيبات المتفق عليها في الاتفاقات كلها بما في ذلك اتفاق ٣٠ نوفمبر ١٩٨٩. وقد اعترف المجتمع ‏الدولي بالكيان الجديد للجمهورية اليمنية دون استثناء.

(16)          وهكذا، قامت الجمهورية اليمنية، في ظل حكم الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي تولى الحكم في ١٩٧٨، بعد الإطاحة بأول وثاني رئيسين وأغتيال ثالث ورابع رئيسين في الشمال في غضون ١٦ عاماً، وفي ظل رئاسة علي سالم البيض الذي تولى في ١٩٨٦، بعد الإطاحة بأول رئيس في الجنوب وسجنه حتى وفاته،واغتيال ثاني وثالث رئيسين وهروب رابع رئيس، في غضون ١٩ عاماً.

البحث عن الجذور

(17)          إن البحث عن جذور القضية الجنوبية، التي وصلت تجلياتها في الحراك السلمي الجنوبي، في العام 2007، بعد النصر الموهوم في عام حرب 1994. يقتضي تقييم تجربة الحكم في شطري الوطن، ووضع النظامين قبل 30 نوفمبر 1989، وارتجال قيادتي الشطرين، كلها دون استثناء، في إعلان الوحدة اليمنية وإعلان قيام "الجمهورية اليمنية" في 22 مايو 1990.

(18)          إن أسس وجذور القضية الجنوبية تكمن في إفتقاد النظامين الشطريين السابقين لحلول سياسية وأقتصادية واجتماعية للاخفاقات البنيوية في النظامين الاسبقين السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، ذلك أنه على الرغم مما يبدو من تباين في المكونات الفكرية والنظرية للنظامين الشطريين السابقين، فإن السمة المشتركة التي اتصفا بها هي أنهما نظامان شموليان ديكتاتوريان، فشلا في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومارسا انتهاكات حقوق الإنسان وقمع للحريات الأساسية للمواطن وإهدار للموارد والإمكانيات المتواضعة التي توفرت. وحرمان في الجنوب للجميع والدولة هي المشغل الأول لكل القوة العاملة في كل القطاعات، وفي الشمال كانت الدولة أيضاً هي المشغل الأول للقوة العاملة، وفساد وإفساد، وفقر وافقار، واسئثار بكل الموارد، وتوزيع عصبوي للمال والمناصب العسكرية والمدنية وتركيزها وإقصاء لأبناء البلاد من المناطق الأخرى، ونهب لأراضي وعقارات الدولة والأوقاف والمواطنين!!!

(19)          إن أكبر الأخطاء التي يمكن أن نقع فيها جميعاً هي أن نعزي "القضية الجنوبية" إلى الوحدة، ذلك أن ما نعيشة هو نتانج موروثات الماضي الذي سبق ٢٢ ‏مايو . ١٩٩، والتي سحبت نفسها على الفترة الانتقالية برمتها التي تلتها، وقادت الى حرب ١٩٩٤، وما تلاها من تطورات سياسية، نقضت في مجملها الأسس التي قامت عليها "الجمهورية اليمنية"، من خلال تعديلات دستورية أجراها الرئيس السابق علي عبدالله صالح مكنته من المزيد من إحكام قبضته على مقدرات البلاد، وأعادت البلاد إلى نمط وأسلوب الحكم في "الجمهورية العربية اليمنية". ولايجوز لأي عاقل أن يصوره على أنه صراع بين "الشماليين" و"الجنوبيين" لأن أبناء الشعب من أي مكان جاءوا هم ضحايا لسياسيات وممارسات الأنظمة والحكام التي فرضتها ظروف التاريخ القاسي والمرير على هذا الشعب.

الجوانب السياسية للوحدة

(20)          ‏إن إنجاز الوحدة اليمنية في ٢٢ مايو 1990 ‏جاء تلبية لطموحات الشعب اليمني في إعادة تحقيق وحدة الأرض والإنسان اليمني ونتيجة لنضالات الرعيل الأول من الآباء والأجداد، ولا يحق لأي كان الإدعاء بامتلاك صنع ذلك الحدث التاريخي مهما عظم الدور الذي قام به، لأن ذلك الدور ليس إلاّ عطاء اللحظة التاريخية التي تصادف فيها وجود هذا الفرد. إن التاريخ ملك اليمنيين ومن صنعهم.

(21)          كان أن اتفق النظامان على العمل على دمج كل مكونات السلطتين السابقتين في جهاز الدولة الجديدة في ظل أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية مغايرة، وتم ترتيب الفترة الانتقالية بما يخدم استمرار حكم الحكام السابقين ورموزهما وبما يحسن مصالحهما. وتعاطى الوضع الجديد مع الأوضاع الجديدة المتمثلة في الديمقراطية والتعددية السياسية والفكرية والتحولات الاقتصادية وبناء الدولة الحديثة وتفعيل المشاركة الشعبية والكثير من مدخلات المجتمع الليبرالي، تعاطٍ خاطئ بموجب مشروع دستور تمت صياغته في ظروف توفيقية في حدودها الدنيا عام ١٩٨١ ‏كجزء من صراع النظامين السابقين.

(22)          إن تحقيق الوحدة لم يكن ليحدث لولا مباركة دولية، جاءت نتيجة طبيعية للتحولات التي طرأت على الساحة الدولية جراء انتهاء الحرب الباردة. وتزامن ذلك التحولات الديمقراطية والليبرالية في الكثير مناطق العالم، أي التحول إلى الديمقراطية الدستورية والانتقال إلى اقتصاد السوق، بكل أبعاد العمليتين، وهي التحولات التي ترتكز على حقوق الإنسان في كافة أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وجاءت الوحدة والنظامان مشارفان على الانهيار الاقتصادي كلية، وتؤكد ذلك كافة التقارير الدولية حول الوضع الاقتصادي في الشطرين.

(23)          وكان، في نظرنا، أول تعثر أن دستور دولة الوحدة دستور يخدم في مجملة نظام شمولي ذو اقتصاد موجّه، ولم يستوعب التحولات الديمقراطية وأبعادها ومعانيها ومقتضايتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لسبب جوهري هو أنه لم تكن في صلب اهتمام واضعي مشروع الدستور، لأنهم كانوا يتصورون أن دولة الوحدة سيحكمها "تنظيم سياسي موحد"، بموجب ماجاء في اتفاقيات الوحدة (القاهرة وطرابلس والكويت وغيرها) أي أن ما كان في الأذهان هو أن الدولة الموحدة ستكون ذات نظام شمولي يحكمها حزب واحد !!

(24)          فقد اتفق النظامان على دمج كل مكونات الطاقة البشرية العاملة في أجهزة النظامين السابقين في جهاز الدولة الجديدة مناصفة، وتم ترتيب الفترة الانتقالية بما يخدم استمرار حكم الحكام السابقين ورموزهما وبما يحسن مصالحهما. وتعاطى الوضع الجديد مع مستلزمات التحول إلى الوضع الجديد المتمثلة في الديمقراطية والتعددية والتنوع السياسي والفكري والتحولات الاقتصادية، وبناء الدولة الحديثة، وتفعيل المشاركة الشعبية والكثير من مستلزمات التحول نحو يمن جديد.

(25)          ودخل الحزبان الحاكمان، المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني، الفترة الانتقالية وتمديدها، وأمامهما همّان رئيسيان: الأول، ترتيب أوضاعهما بتقاسم للسلطة فيما بينهما وبين من يرتبط بهما من أحزاب وتيارات، وعلى الخصوص التجمع اليمني للاصلاح. والثاني، الترتيب للبقاء في السلطة في الفترة التي ستعقب الانتخابات البرلمانية الحرة. ولم يكترث الحزب الاشتراكي اليمني بقانون الانتخابات المتفق عليه، متجاهلاً أن مخرجاته سوف لن تؤمن له استمرار المناصفة التي دخل بموجبها إلى الوحدة، ركوناُ منه أنه سيتمكن من الإطاحة بالطرف الآخر، باعتبار أن الاشتراكي يحمل مشروعاً حضارياً!! وكان ذلك التعثر الثاني.

(26)          والتعثر الثالث، أن النظامين لم يكترثا، قبل الولوج في الوحدة، بوضع تصورات بشأن الحلول التي تستوجبها متغيرات الوحدة من حيث وضع خطط لمعالجة وضع الجيش، الذي لم يدمج من الأساس، بمعنى الكلفة المالية لإعادة هيكلة الجيش والأمن، وكلفة وكيفية برمجة التخلص من العمالة والتوظيف المبالغ فيه، وكل ما يرتبط بالتحول نحو اقتصاد السوق من أطلاق إمكانيات القطاع الخاص في أداء دوره الطبيعي في تحفيز الاقتصاد لاستيعاب آثار الإصلاحات الادارية والمالية والاقتصادية من جهة، ودراسة توقعات آثار الكلفة المالية المرتفعة لدمج جهاز الدولتين على الاسعار ونسب التضخم وسعر الصرف وغيره.

(27)          وبضغوط من المؤسسات المالية الدولية والمانحين، وضعت الحكومة الجديدة، التي خلت من أي تركيب تكنوقراطي، وغلب عليها الطابع الحزبي، برنامجا للاصلاح السياسي والاقتصادي والمالي والاداري في اليمن لحل المشاكل الموروثة من الماضي، السابق الإشارة إليها.

(28)          وبالرغم من ذلك، تم تأجيل إتخاذ إيه إجراءات حقيقية نحو تحويل الاقتصاد الى اقتصاد السوق في الفترة الانتقالية لكي لاتتفاقم أوضاع المواطنين سواءً، لاسيما في المحافظات الجنوبية، وكي لايخسر الحزبان في الانتخابات. ولم تكن معاناة المواطنين طوال الفترة الانتقالية إلاّ نتيجة حتمية وطبيعية لسوء إدارة الحكومة للسياسات الاقتصادية والنقدية في ظل الاجراءات البسيطة التي قامت بها الحكومة في التوجه نحو اقتصاد السوق. وساعد على تفاقم تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطن ممارسات الحكومة في الأنفاق الترفي المبالغ فيه خلال عملية دمج جهازي الدولة وموظفيها السابقين في جهاز واحد.

الظروف الاقتصادية

(29)          سبقت الاشارة إلى أنه على الرغم من "اشتراكية" النظام السابق في الجنوب، و"ليبرالية" النظام السابق في الشمال، إلاّ أن القاسم المشترك فيما بينهما هما أنهما نهجا اقتصاديات موجهة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في كل شطر، مع بعض الحرية الاقتصادية النسبية في الشمال مقارنة بوضع الاقتصاد الشمولي في الجنوب. واعتمدت اقتصاديات الشطرين بشكل أساسي على تحويلات المغتربين، التي ساعدت كثيراً في تحقيق فائض من الاحتياطيات النقد الأجنبي لدى النظامين لاسيما في أثناء الطفرة في أسعار النفط العالمية المرة الأولى عام ١٩٧٣ ‏والثانية عام ١٩٧٨، وعلى المعونات الخارجية الثنائية ومن الصناديق الإنمائية الإقليمية والدولية. وقد استنفدت كافة الفوائض من قبل نظامي الشطرين في توفير مستلزماتهما الأمنية والدفاعية بشكل أساسي، وقد أدى ذلك إلى دخول شطري البلاد في ديون خارجية.

(30)          وقد ذكر تقرير البنك الدولي حول ديون العالم ١٩٩٣ - ١٩٩٤ ‏بأن ديون اليمن (بشطرية) تفاقمت منذ 1980 عندما كانت 1.684 بليون دولار لتصل إلى 6.616 ‏بليون دولار أمريكي عام ١٩٩٢. وذكر تقرير أعدته بعثة صنوق النقد الدولي في سبتمبر١٩٩٣ ‏للحكومة اليمنية أن خدمة الدين الخارجي تبلغ حاليا نسبة 200% من الدخل القومي الاجمالي، وأن أقساط الديون المستحقة وفوائدها حتى ذلك التاريخ قد بلغت٣ ‏بليون دولار أمريكي منذ 1990، ولم تقم الحكومة بمحاولة إعادة جدولة الديون أو طلب إسقاط بعضها أوفوائدها الأمر الذي سيكون له تأثير كبير على سمعة البلاد في مواجهة الدائنين الخارجيين. ولاينبغي أن يغيب عن الأذهان أن جزءاً كبيراً من الدين الخارجي هو ديون عسكرية، ممايؤكد عموما تواضع التجربة التنموية في اليمن من خلال المتبقي من الديون الإنمائية.

(31)          ‏ونظرا لانحسار العون الأجنبي بشكل ملحوظ منذ حرب الخليج، إضطرت الحكومة إلى اللجوء إلى الاستدانة من الجهاز المصرفي المحلي وبالذات من البنك المركزي اليمني إضافة إلى زيادة الاصدار النقدي لتلبية النفقات الجارية وبالذات أجور الجهاز الوظيفي الحكومي المتضخم ونفقات دمج أجهزة الدولتين السابقتين.

(32)          ‏وأدت كل تلك العوامل إلى دخول البلاد في أزمة اقتصادية تمثلت في إنخفاض معدلات النمو الاقتصادي وزيادة البطالة جراء عودة المغتربين اليمنيين نتيجة موقف اليمن من غزو الكويت وارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة الوطنية نتيجة للعجز في الموازنة العامة والعجز في ميزان المدفوعات بسبب سيادة النمط الاستهلأكي لدى الدولة والمجتمع وضعف البنية الانتاجية الوطنية.

(33)          وعلى الرغم من كل ذلك، حظيت البدايات الأولى للتجربة الديمقراطية في اليمن بتأييد ودعم دوليين ساعدا اليمن كثيرا في إنجاز أول انتخابات تقوم على التعددية الحزبية في اليمن، وتمت تلك الانتخابات في ٢٧ ‏أبريل ١٩٩٣، وحازت الأحزاب الثلاثة، المؤتمر والإصلاح والاشتراكي، على مايزيد على ثلثي مقاعد مجلس النواب الجديد، غير أن جاءت التركيبة السياسية في البرلمان والحكومة على نحو لم برق للحزب الاشتراكي اليمني، وأدرك أن استمراره في المشاركة في حكم اليمن الواحد على النحو الذي سارت عليه الأمور قبل الانتخابات لابد وأن يضر به كلاعب أساسي في اللعبة السياسية اليمنية لاسيما في ظل استمرار الفساد والعبث بالمال العام، والذي كان هو أحد ممارسية في الفترة الانتقالية، وشعوره بالبدء بفقدان مركز نفوذه السياسي في جنوب اليمن في حال استمرار الأمر. فما كان منه إلأ أن قرر أن يركب موجة غضب الشعب من تفاقم سوء أوضاعة المعيشية والحياتية وتفشي الفساد في كل نواحي المحياة وتقدم بنقاط الإصلاح الثمانية عشرة لإصلاح الاختلالات التي شابت مسيرة الوحدة، في ظل أزمة سياسية  حادة.

(34)          وتحولت تلك النقاط لتكون "وثيقة العهد والاتفاق"[26] التي وقع عليها حوار أطراف القوى السياسية في عمّان في 18/1/1994‏، والتي لو تم تنفيذها لما وصلت أوضاع البلاد إلى ما نحن بصدد إصلاحه في الحوار الوطني الذي نعيشه، لأنها كانت تهدف إلى "تفادي تكرار ماحدث حماية للوحدة وتوسيعا للمشاركة الشعبية في صنع القرار وانجازه، وتاسيسا لديمقراطية حقة تبدا من القرية الى قمة الدولة بغية وضع اللبنات المتينة لدولة يمنية قوية.." وعالجت الوثيقة جملة كبيرة من القضايا التي نعالجها اليوم.

(35)          وللأسف أن كل الأطراف التي وقعت على تلك الوثيقة، تنصلت منها، واتجهت البلاد نحو حرب طاحنة بين الجيش الذي كان لايزال جيشين شطريين، وخلال تلك الحرب أعلن الامين العام للحزب الاشتراكي علي سالم البيض وبعض القوى السياسية الانفصال واستعادة الدولة السابقة. غير أن المجتمع الدولي لم يعترف بذلك، وأصدر مجلس الأمن الدولي قرارين بشأن اليمن، وانتهت الحرب على النحو الذي نعرفه جميعاً.

(36)          وعلى الرغم من فشل الانفصال، إلا أن أسلوب تعاطي المنتصرين مع أسباب الحرب وآثارها كان تعاطٍ غير مسئول على الإطلاق، وتمت ممارسات تتناقض مع مدخلات وأسس قيام الوحدة، وتنصل كامل من "وثيقة العهد والاتفاق"، والحلول التي تضمنتها لإعادة تصحيح مسار الوحدة وبناء الدولة المدنية على أسس ديمقراطية وسياسية واقتصادية سليمة.

(37)          وتمادى الرئيس السابق علي عبدالله صالح في تركيز مفاصل القوة في يد أبنائه وإبناء أخيه بشكل استفز كل اليمنيين.

(38)          وأمعن الرئيس السابق علي عبدالله صالح في حكم البلاد بشكل ديكتاتوري، من خلال تعديلات دستورية للإنفراد بالحكم وتركيز السلطة في كل مفاصل الدولة في أسرته وقبيلته وأعوانه من الموالين، ومن خلال الإمعان إيضاً التحلل من كل أسس الوحدة، والتعامل مع إبناء المحافظات الجنوبية، وفق عمليات ممنهجة في الإقصاء والإبعاد من الجيش والأمن والإدارة وكل مكونات الحكم، والتعامل مع المحافظات الجنوبية كإقطاعيات خاصة أخذت أشكالاً متعددة من توزيع لأراضي الدولة والمواطنين ومنح الامتيازات النفطية ونهب الأراضي الزراعية. ولسنا بحاجة إلى تكرار استعراض تلك الممارسات التي تطرقت لها العديد من الرؤى.

(39)          والأمرُّ والأنكأ، أن الرئيس السابق علي عبدالله صالح ونظامه، شرع في اتخاذ ترتيبات سياسية تمهيداً لمد فترات حكمه لأكثر من فترتين، والتمهيد لتوريث الحكم لنجله الأكبر أحمد.

(40)          لقد كان المجتمع الدولي متنبهاً لكل تلك الممارسات، وقدم العديد من التوصيات والنصائح للرئيس السابق للإصلاح السياسي لمعالجة أوضاع البلاد الاقتصادية والاجتماعية، وفي المقدمة المطالب الحقوقية المشروعة للمسرحين من أبناء المحافظات الجنوبية من كل أجهزة الدولة، والتعامل الجدي مع المطالب التي رفعها الحراك الجنوبي السلمي باعتبارها قضايا تستوجب المعالجة السياسية والاقتصادية الحقيقية اعتماداً على إصلاح سياسي فعلي.

(41)          بدأت تلك النصائح تتوالى منذ عام 2004 عبر عدد من مراكز البحث الغربية والأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المانحة والمنظمات الحقوقية الدولية المتعددة. وفي العام 2006 عبر مؤتمر المانحين الذي قيد المعونات والمنح بالتخلي عن أسلوب الحكم والإدارة القائمة والشروع في إصلاحات سياسية في الأساس، لاحتواء كل السلبيات ومعالجة القضية الجنوبية، إلى جانب الصراع في صعدة. ونصح المجتمع الدولي الرئيس السابق علي عبدالله صالح ونظامه باعتماد الحوار مع كل الإطراف أساساً للإصلاحات المطلوبة كلها. واستمرت تلك المطالبات في مؤتمرات المانحين في 2007 و 2008 و 2009 و2010.

(42)          وإزاء تفاقم تردي الأوضاع السياسية والأمنية، وعجز الرئيس السابق علي عبدالله صالح ونظامه، عقد مؤتمر لندن الخاص باليمن، في يناير 2010، الذي خرج بمحموعة أصدقاء اليمن، التي فرضت على اليمن مجموعة من التوصيات من خلال اجتماع ثان[27] في نيويورك 24 سبتمبر 2010، أكد فيه المشاركون[28] "دعم حكومات بلادهم و مؤسساتهم الدولية لجهود اليمن الرامية للدفع بعملية الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والتخفيف من الفقر ومساندة جهودها في مكافحة التطرف و الإرهاب. وجددوا مواقف دولهم الداعمة لليمن و مساندة جهوده للحفاظ على وحدته وسيادته وتحقيق أمنة واستقراره. وشددوا على أهمية الشراكة الدولية والإقليمية لدعم جهود اليمن بهدف مجابهة التحديات الراهنة وفي مقدمتها معالجة التحديات الاقتصادية والتنموية. ومن أهم ما أقره الاجتماع، من بين أمور أخرى، "يعتبر أصدقاء اليمن أن الحوار الوطني شأن يمني يحظى بدعمهم وتشجيعهم. وهو يشكل الأساس الأفضل لبناء الأمن والاستقرار المستدامين."

(43)          بدأ الرئيس السابق علي عبدالله صالح ونظامه اعتبار ذلك مؤامرة تستهدفه ونظامه. ومع نهايات 2010 وبدايات 2011، بدأ الربيع العربي ورياح التغيير تهب من تونس ومصر إلى اليمن وليبيا وسوريا. وبدأت ثورة الشباب السلمية لإسقاط النظام، والتي بلغت ذروتها في مجزرة جمعة الكرامة في 18 مارس 2011، ومثلت نقطة البداية لانهيار الرئيس السابق علي عبدالله صالح ونظامه. وبقية التطورات عاشها اليمن والعالم ولاحاجة بنا لاستعراضها هنا.

الخلاصة

إن جذور "القضية الجنوبية"، كأحد مرتكزات الحوار الوطني اليمني الشامل، تعود في الإساس إلى:

(1)  تاريخ تكوين الدولة "جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية" في جنوب الوطن منذ استقلال الشطر الجنوبي من الوطن، ذلك أن الحزب الاشتراكي اليمني، الشريك الأساسي في قيام الوحدة اليمنية وإعلان قيام الجمهورية اليمنية، هو وريث الجبهة القومية التي تسلمت الحكم من بريطانيا، منفردةً، باستهانة كبيرة بحقوق شعب اليمني في الجنوب التي كان يجب الحصول عليها من بريطانيا، الدولة المستعمرة والحامية لعدن والمحميات، بعد    إقصاء كل شركاء الكفاح ضد الاستعمار البريطاني وطرد إبناء عدن وقيادات جيش اتحاد الجنوب إلى المهاجر في شمال الوطن وغيره. والإنفراد يعني الإقصاء والاستحواذ وانتهاكات متواصلة لحقوق الإنسان في ظل أجهزة أمنية ونظام بوليسي قمعي. افتقاد الحزب الاشتراكي اليمني، عند الوحدة، لأية رؤية

(2)   لمستقبل لمعالجة مشاكل "الجمهورية اليمنية" التي ستنشأ جراء الانتقال من الحكم الشمولي إلى الحكم الديمقراطي، بما في ذلك مستقبل أبناء الجنوب الذين اعتادوا على نمط حياة معين تتحمل فيه الدولة مسئولية العيش اليومي للمواطن، وكيفية معالجة آثار التغيير الذي سيطرأ على حياتهم عندما تتخلى الدولة الجديدة عن مسئولياتها تلك.

(3)  مغامرة علي سالم البيض بإعلان الانفصال في عام 1994، دون أن يضع شعب الجنوب في حساب الربح والخسارة عند إقدامه على تلك المغامرة، ما يعني أنه لم يكن في حسابه إلاّ نفسه. 

(4)  يشارك الحزب الاشتراكي اليمني في جذور "القضية الجنوبية" على هذا النحو، الرئيس السابق علي عبدالله صالح ونظامه وكل شركائه من الأحزاب السياسية والقيادات وأصحاب النفوذ، لذات الأسباب، أي الإقصاء والاستحواذ وانتهاكات متواصلة لحقوق الإنسان في ظل أجهزة أمنية ونظام بوليسي قمعي، وافتقاد الرؤية في إدارة شعب كبير في مجتمع ديمقراطي.

(5)   وفي المحصلة النهائية، فإن جذور "القضية الجنوبية" يكمن في استغلال الاندفاع العاطفي نحو الوحدة لدى أبناء الشعب اليمني، من قبل كل الأطراف السياسية، في ظل غياب الرؤية السليمة لدى كل تلك الأطراف على حد سواء لبناء دولة مدنية ديمقراطية متنوعة الانتماءات والثقافات، نتيجة لموروثات الحكم الشمولي الديكتاتوري وارتكازها على الاستفراد والاستحواذ والاقصاء والاستهانة بحقوق الشعب اليمني، والرغبة الجامحة في امتلاك كل "السُلطة" وكل "الثروة"، والتجاهل الكامل لمبدأ "حكم وسيادة القانون" وإنكار ممعن لكل حقوق الإنسان.



الهوامش

[1] (أ) لعل من أفضل ما كتب حول التاريخ اليمن كتاب “The Two Yemens”، لمؤلفه Robin Bidwell الصادر عن دارLongman Westview Press في العام 1983 ويغطي تاريخ اليمن منذ ما قبل الإسلام وفي العصور الوسطى، حتى العام 1981. (ب) ومن الكتب التي تحمل أسرار السنة الأخيرة قبل اسنقلال الجنوب، كتاب  “South Arabia: Arena of Conflict”لمؤلفه Tom Littleـ الصادر عام 1968، عن دار Frederic A. Praeger. (ج) ومن الكتب المثيرة جداً للأشهر الأخير قبل إعلان الاستقلال وتسليم الجبهة القومية الحكم، كتاب"The Middle East in Revolution" لمؤلفه السير Humphrey Trevelyan وكان آخر مندوب سامي بريطاني في عدن، الذي رتب لخروج بريطانيا الآمن من عدن. وقد تحدث عن مهمته تلك في الفصل الأخير من الكتاب المعنون "Aden 1967" من الصفحات 206 إلى 266، والكتاب صادر عن دار Macmillan  عام 1970. وفي هذه الكتب وغيرها حقائق الأوضاع في شطري اليمن منذ الاحثلال البريطاني لعدن عام 1839، ومستوى التخلف الذي عاشه اليمنيون في ظل الاستعمار، الذي لم يكن مهتماً إلا بمدينة عدن المستعمرة، وفي ظل نظام الحماية في بقية الجنوب، وفي ظل نظام الإمامة الذي تحكم بمقادير الشعب في شمال الوطن منذ هزيمة العثمانيين في العام 1918 في الحرب العالمية الأولى. (د) وفي كتاب آخر باسم “The Road to Good Intentions: British Nation-building in Aden” لمؤلفه Scott Smitson الصادر عن Center For Complex Operations الذي يتبع Naval Postgraduate School في National Defense University في 2010، يستعرض الكتاب فشل بريطانيا في ترتيب بناء الدولة الإتحادية في الجنوب لفصلها عن الجمهورية العربية اليمنة ومنع استحواذ المملكة العربية السعودية على أي جزء منها، والصراع بين حكومات المحافظين والعمال في بريطانيا بشأن مصير عدن واتحاد الجنوب العربي ومحميات عدن الشرقية، وبيان فقدان كل إتحاد الجنوب العربي أي مقومات الدولة، حيث لم يوجد "الاتحاد" إلا في الدستور ولم تكن للاتحاد حكومة وموظفين ولا مكتب ولا قلم .. واستقرار الرأي لدى وزارة المستعمرات التخلي عن المشايخ والسلاطين والدخول للعناصر المعارضة في مستعمرة عدن، وتحديداً قيادة المؤتمر العمالي، في العام 1965، قبل التفاوض مع الجبهة القومية في نوفمبر 1967. وكان الرأي قد استقر على قيام دولة موحدة unitary state لا دولة اتحادية وسحب القوات البريطانية من عدن. وهو الحل الذي كان اقترحه عام 1958 حاكم عدن السير وليم لوس لإنجازه في غضون عشر سنوات. ويؤكد هذا الرأي أن توحيد اليمن الجنوبي في دولة واحدة كان ترتيب بريطاني ولم يكن إنجاز نضالي للجبهة القومية.

[2]  للإطلاع على النص الكامل للآلية التفيذية راجع الرابط التالي:

http://yemennationaldialogue.blogspot.com/p/blog-page_19.html

[3] للإطلاع على النص العربي راجع الرابط التالي:

 http://www.unhcr.org/cgi-bin/texis/vtx/refworld/rwmain/opendocpdf.pdf?reldoc=y&docid=4ec4e98a2

[4]  للإطلاع على النص العربي راجع الرابط التالي:

 http://www.unhcr.org/cgi-bin/texis/vtx/refworld/rwmain/opendocpdf.pdf?reldoc=y&docid=505081f42

[5]  كان من المفترض دستورياً توقيع المهندس حيدر أبوبكر العطاس، باعتباره رئيس البلاد.

[6]  وقعت "إنفاقية القاهرة" في 21 رمضان 1392هـ الموافق 28 أكتوبر 1972م، من قبل محسن العيني، رئيس الوزراء ووزير الخارجية في الجمهورية العربية اليمنية، وعلي ناصر محمد، رئيس الوزراء ووزير الدفاع في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبيىة، ولأهمية الاتفاق الذي جاء في أعقاب أول حرب بين شطري اليمن، نورده للفائدة ولمعرفة تجاوزات صالح والبيض في المضي في عملية توحيد البلاد وفقاً لأسس محددة، لاسيما تجاوزهما لمقتضيات المواد 9 إلى 13 من اتفاقية القاهرة:

إن حكومتي الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية باسم شعب اليمن الواحد وباسم الأمة العربية وانطلاقاً من واقع المسئولية التاريخية والمسئولية القومية. وإيماناً بأن شعب اليمن وأرضه وحدة واحدة لا تقبل التجزئة والانقسام وإن هذه الحقيقة قد أثبتت نفسها على مر التاريخ برغم كل محاولات ترسيخ الانقسام وخلق الحواجز والسدود والحدود. ووفاء لنضال وتضحيات الشعب اليمني على طول التاريخ في سبيل القضاء على نظام الإمامة الملكي المتخلف في شمال الوطن والسيطرة الاستعمارية في جنوبه. وحرصاً على تعزيز وتدعيم النضال الوطني التقدمي في اليمن وتأكيداً بأن الوحدة اليمنية هي الأساس في بناء مجتمع يمني حديث يضمن الحريات الديمقراطية لكافة القوى الوطنية المعادية للاستعمار والصهيونية وهي الأساس لبناء اقتصاد وطني مستقل ولحماية استقلال وسيادة اليمن من أي تدخل أو عدوان خارجي. وتأكيداً بأن الوحدة اليمنية الشاملة بالإضافة أنها قضية المصير الحتمي هي قضية التقدم والحضارة والازدهار للشعب اليمني. وثقة بأن الوحدة اليمنية الشاملة فوق أنها أمل كل يمني على طول رقعة اليمن هي حاجة أساسية لتوطيد دعائم الاستقلال السياسي وبناء اقتصاد وطني مستقل وهي أيضا ضرورة قومية لأنها تمكن اليمن من المساهمة في الكفاح الذي تخوضه الأمة العربية ضد التحالف الإمبريالي الصهيوني كما أنها تشكل خطوة جادة نحو تحقيق وحدة الأمة العربية بأسرها. وتجاوباً مع الجهود الصادقة التي بذلتها لجنة التوفيق العربية والمشكلة بقرار مجلس جامعة الدول العربية رقم (2961 )بتاريخ 13/9/1972م من أجل تسوية الخلافات بين شطري اليمن وهي الجهود التي تمثل اهتمام الأمة العربية بواقع شعب اليمن ومستقبله.

وعملا بأحكام المادة التاسعة من ميثاق جامعة الدول العربية.

فقد اتفقت الحكومتان على قيام دولة موحدة تجمع شطري اليمن شماله وجنوبه وذلك وفقاً للأسس والمبادئ الواردة فيما بعد.

مادة (1): تقوم وحدة بين دولتي الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية تذوب فيها الشخصية الدولية لكل منهما في شخص دولي واحد وقيام دولة يمنية واحدة.

مادة (2): يكون للدولة الجديدة

أ-          علم واحد وشعار واحد.

ب-        عاصمة واحدة

ج-         رئاسة واحدة

د-          سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية واحدة

مادة (3): 

أ-          نظام الحكم في الدولة الجديدة نظام جمهوري وطني ديمقراطي

ب-        يضمن دستور الوحدة جميع الحريات الشخصية والسياسية والعامة للجماهير كافة ولمختلف مؤسساتها ومنظماتها الوطنية والمهنية والنقابية وتتخذ جميع الوسائل الضرورية لكفاية ممارسة الحريات.

ج-          تضمن دولة الوحدة جميع المكاسب التي حققتها ثورتا سبتمبر وأكتوبر.

وسائل تحقيق الوحدة وقيام الدولة الجديدة

مادة (4): كخطوة أولى نحو تحقق الوحدة تتخذ الإجراءات اللازمة نحو عقد مؤتمر قمة يجمع رئيسي الدولتين للنظر في الإجراءات الفورية اللازمة لإتمام الوحدة على أن يعقد هذا المؤتمر في الموعد الذي يحدده رئيساً الحكومتين.

مادة (5): يختار كل من رئيس الدولتين ممثلاً شخصيا له ويشرف هذان الممثلان على أعمال اللجان الفنية الواردة في المادة (7).

مادة (6): تستمر جامعة الدول العربية في تقديم مساعداتها اللازمة لإنجاح هذه الوحدة بناء على رغبة الدولتين.

مادة (7): يشكل مؤتمر القمة للدولتين اللجان الفنية المشتركة من عدد متساو من ممثلي الدولتين لتوحيد الأنظمة والتشريعات القائمة في كل منهما.. وتحديد فترة زمنية أقصاها سنة لانتهاء هذه اللجان من المهام المعهودة بها إليها. وتبدأ هذه السنة من تاريخ توقيع هذا الاتفاق.

مادة (8): تشكل اللجان الفنية المشتركة من ممثلي الدولتين على مستوى عال ومن المختصين، ويحق لهذه اللجان تكوين لجان فرعية لتسهيل أعمالها.

وتتألف هذه اللجان من:-

1-          لجنة الشئون الدستورية.

وتختص بوضع مشروع الدستور

2-          لجنة الشئون الخارجية والتمثيل الديبلوماسي والقنصلي:

وتختص بتوحيد السياسة الخارجية للدولتين ووضع الأسس للسياسة الخارجية للدولة الجديدة الموحدة.

3-          لجنة الشئون الاقتصادية والمالية:

وتختص بالشئون الاقتصادية والجمارك والتنمية الاقتصادية والنظام النقدي الموحد وميزانية الدولة.

4-          لجنة الشئون التشريعية والقضائية:

وتختص بتوحيد التشريعات ووضع الأنظمة الموحدة للقضاء

5-          لجنة شئون التربية والثقافة والاعلام :

وتختص بشئون التعليم في كافة مراحله والثقافة والإعلام.

6-          لجنة الشئون العسكرية:

وتختص بالدفاع والقوات المسلحة وتوحيدها

7-          لجنة الشئون الصحية:

وتختص بالشئون العلاجية والمستشفيات وما إلى ذلك.

8-          لجنة الإدارة والمرافق العامة

وتختص بنظام الحكم المحلي ومرافق الدولة وتسييرها

مادة (9): عند انتهاء لجنة الشئون الدستورية من وضع مشروع الدستور يطرح من قبل الدولتين على المجالس التشريعية المختصة للموافقة عليه طبقاً للأنظمة الدستورية لكل منهما.

مادة (10):

أ-          يقوم رئيسا الدولتين بتفويض السلطتين التشريعيتين في القطرين بتنظيم عمليتي الاستفتاء على الدستور وانتخاب سلطة تشريعية موحدة للدولة الجديدة طبقاً للدستور الجديدة.

ب-        تنفيذاً لذلك يشكل رئيسا الدولتين لجنة وزارية مشتركة تضم إلى عضويتها وزيري الداخلية في كلا الشطرين لكي تقوم بالإشراف على هذه الأعمال وذلك خلال ستة أشهر على الأكثر من تاريخ موافقة السلطات التشريعية في الدولتين على مشروع الدستور. ويكون لهذه اللجنة كافة الصلاحيات اللازمة للقيام بمهمتها.

ج-          ويدعو رئيسا الدولتين جامعة الدول العربية لإيفاد ممثلين عنها للمشاركة في أعمال اللجنة

مادة (11): تحل المجالس التشريعية في الدولتين فور إقرار مشروع الدستور الجديد بالاستفتاء الشعبي.

مادة (12): في حالة موافقة الشعب على مشروع الدستور يمكن قيام الدولة الجديدة طبقاً للدستور.

مادة (13): يعمل بأحكام الدستور الجديد فور إقراره.

مادة (14): تنفيذاً لما ورد في بيان لجنة التوفيق وعملا بأحكام المواد السابقة يقرر الطرفان التزامهما الكامل بهذه الأحكام وتنفيذها.

مادة (15): حررت هذه الوثيقة من ثلاث نسخ تسلم كل طرف النسخة الخاصة به وتحفظ النسخة الثالثة لدى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية.