آخر تحديث للموقع منذ منذ سنتان و 10 شهور و أسبوع و 6 ايام و 11 ساعه و 9 دقائق
أخبار اليوم

في الذكرى الحادية عشر لاغتياله: الدولة المدنية في فكر جارالله عمر (الحلقتين الثانية والثالثة)

الوسط | الأحد 05 يناير 2014 11:16 مساءً

في الذكرى الحادية عشر لاغتياله: الدولة المدنية في فكر جارالله عمر

بقلم السفير علي محسن حمي

الحلقة الثانية

كان جار الله عمر دائم الابتسامة، وكان يتمتع بديناميكة وكاريزمية ملحوظتين. من عينيه، وتحيّته لك، تدرك أنك أمام شخص غير عادي ينفذ إلى قلبك بسهولة. سكرتيرتي البريطانية في لندن على غير عادتها لم تكن تستقبل أحدا بفرح واحترام مثلما كما كانت تفعل مع جار الله، وحدث نفس الشيء مع صحفية هندية ظلت تسألني دائما عنه وترسل تحياتها له ولم يكن خبر اغتياله سهلاً على أذنيها. بعض الصحفيين العرب وصحفي بريطاني عرفتهم في لندن عن طريقه. أكاديمية أمريكية لم تستوعب خبر اغتياله، وظلت تبكي على الهاتف لدقائق طويلة. وكأي ناشط حزبي كان فكره ورؤيته متقدمين على مجتمعه. وكمسلمة، لو لم تكن الأحزاب لاتعبر عما هو مقبول، وعن طموح الناس، وعن المستقبل، لكانت من قوى الحفاظ الأمر على الواقع ومصالح قواه المهيمنة.

كان النعمان نقيضا للإمام أحمد، وكان جارالله نقيضا للقاضي الإرياني، ومن أتى بعده. الحزبية تعني التغيير إلى الأفضل وليست مغانم. كان هذا هو فهم جار الله لها. وهنا يكمن الفرق بين قوى التحديث وبين القوى الماضوية التي تصر على إنكار هذا الانتماء الماضوي وهذه الحقيقة. ولذلك مهما أجهدت نفسك في البحث عن مشروع لها يرتبط بالمستقبل وهموم الناس فلن تجد شيئا. مشروعها هو ذاتها. تجسد الإمام يحي التي ثارت عليه باستثناء نزاهته.

وكحزبي لم يبدر من جارالله قبل عام 1988 ما ينبئ عن خروجه على الإجماع والسائد في حزبه. وإذا كان لابد من صدمة تهز القناعات الراسخة فقد كانت كارثة 13 يناير 1986 في عدن هي التي قذفت بما كان يعتمل داخل جار الله من تفاعلات وصراعات داخلية وأسئلة.

في عام 1988 سبق جار الله حزبه، بل قاده بالتدريج إلى مسار مختلف. وأجزم بأنه قاد اليمن كله إلى هذا المسار - المسار الديمقراطي - التعددي. تفاعل جار الله، أكثر من غيره، مع بوادر تحولات فكرية في المنطقة العربية قادها الدكتور سعد الدين إبراهيم نادت بتجسير الفجوة بين النخبة والحكام وإنهاء حالة التوجس والعداء بينهما. وتأثر جار الله بالتحولات التي قادها جورباتشوف في الاتحاد السوفيتي التي أحبطها الغرب - الجلازنوست ( الانفتاح) والبرسترويكا (إعادة البناء) - وكانتا بشائر تحول ديمقراطي في المركز المقدس - موسكو-. والكلمتان تعادلان عندنا إعادة الهيكلة العسكرية والأمنية والمدنية أو الإصلاح، التي قد تكون، بكل ما قد يرافقها من تشوهات، البديل لمطالب ثوار فبراير.

البرسترويكا والجلازنوست في نهاية القرن العشرين كانت بمثابة البيان الشيوعي لماركس أو كتاب ماوتسي تونج الأحمر مع فارق أن حرية تدوال ما نشر عنهما كان متاحا إلى حد ما، لأنهما يحضان على الإصلاح من الداخل و ليس الثورة. تسامح نظام صالح إلى حد ما مع بعض من يحمل من الخارج ما كتب عنهما وهو الشديد الرقابة على المطبوعات حتى في المنافذ البحرية (لم يسمح بتداول الكتاب الأخضر الليبي وحظر توزيع كتاب الدكتور أسامة الغزالي حرب عن الحزبية الصادر عن سلسلة كتب عالم المعرفة الكويتية).

وكان سقوط تشاوشسكو في رومانيا في ديسمبر 1989 نتاجا لذلك التحول الجنيني في الاتحاد السوفييتي الذي عنى أن موسكو لن تكرر تجربة تدخلها عام 1968 في تشيكوسلوفاكيا، وخلق لدينا أملا بسقوط أشقائه في منطقتنا. وبصراحة لو لم تنقذ الوحدة "صالح" لكان مصيره كمصير تشاوشسكو مهما تشدق بغير ذلك.

جار الله أدرك أن رياح التغيير قادمة لا محالة، ونظر إلى المستقبل في إطار وطني عام، ولم يقف به الحال عند تبني حل سلطوي. وكغيره لم يولد جارالله ديمقراطياً، وكان في البداية ابن بيئته العامة ثم الحزبية. الظروف الموضوعية أنضجت قناعاته ومكنته ملكاته الذاتية وثقافته الموسوعية والتزامه بقضية تطور الوطن وحرية المواطن من استشراف المستقبل. ولا يستطيع أحد المجازفة بالقول إن جارالله كان ديمقراطيا وهو في الثالثة والعشرين من عمره عندما انتخب لعضوية اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الثوري اليمني، الذي خلف الفرع اليمني لحركة القوميين العرب. هذا الحزب، كغيره من الأحزاب، كان يتبنى الديمقراطية وغيرها من الشعارات الشعبوية الجاذبة في بيئة لا تفهم معناها، وليس لناسها اهتمام حقيقي بالديمقراطية، أو خبرة بها. ولم تكن، مع فارق طفيف وحتى الآن، ثقافة عامة. وكانت، كشعار الحرية، ذات اتجاه وهدف واحد هو السيطرة على السلطة وعدم التخلي عنها. وفي ذروة نضجه، لم ير جار الله الديمقراطية بدون أحزاب وتعدد في وجهات النظر، ولم يكن ينظر إلى السلطة كغاية وإنما كوسيلة لخدمة الناس ورقيهم وفق برنامج سياسي واقتصادي واضح.

جارالله هو من اقترح على الحزب الاشتراكي ترك السلطة عام 1994 والتحول إلى حزب معارض، بعد أن بلغ تآمر صالح على الوحدة وخيانته لها وللشعب وللعهود ومحاولاته الانفراد بالسلطة حدا عجز الحزب الاشتراكي عن ثنيه عنه. ولأجلها خاض صالح حرب1994، وأفشل بعدها حكومة فرج بن غانم، وقبلها حكومة العطاس، وكان كلاهما على قدر عال من الكفاءة والاقتدار والإخلاص. جار الله لم يكن من معاندي الزمن، وكان يدرك ضروراته ومتطلباته، وحاجة الناس للتغيير، وحقهم الذي لا ينازع في حياة أفضل.

قد يقول قائل ولكن جار الله رفع السلاح ومارس العنف وكان قائد الجبهة الوطنية الديمقراطية التي خاضت كفاحا مسلحا في المناطق الوسطى وشرعب لأكثر من عقد من الزمن. ولهؤلاء يقول جار الله إنه ورفاقه الذين حملوا السلاح في وجه أعداء الجمهورية بعد قيام ثورة سبتمبر وضحوا بدمائهم لكي تنتصر الجمهورية في حرب السبعين لم يرفعوه إلا مضطرين وتطبيقا لمبدأ مشروع، هو الدفاع عن النفس، بعد أن كان جزاؤهم لدورهم الوطني هو السجن الذي قضى فيه جارالله مع غيره أربع سنوات (1968-1971) والمطاردة والتخوين والتشرد.

كحزبي أيقن جارالله أن سلطة 5 نوفمبر 1967 لا تريد التعايش مع جمهوريي التغيير، وأن محاربة الحزبية أضحت سياسة رسمية لها، وأنها لن تتهاون مع الحزبية والحزبيين، وأن مصير أي حزبي هو واحد من ثلاث، السجن، التشرد أو الموت، تطبيقا لشعار تخوين الحزبية "سواء ظهرت بقرون الشيطان أو بمسوح الرهبان". وقد مات في السجن وأعدم بدون محاكمة الكثير منهم، واختفى قسرا كثيرون. وكان لعهد صالح نصيب الأسد في تطبيق سياسة الاغتيال والتغييب والموت في السراديب. لقد وجد لدينا "بيريا" يمني كان همه "تطهير!" اليمن من الحزبيين وكان يقول والبيادات تنشط من الخلف لمن يعذبه هو شخصيا "والله حتى لو تكون أمي حزبية فلن أرحمها".

من حكموا بعد 5 نوفمبر 1967 وكتيبة "التمكين" من ورائهم، كانوا يعون أن النظام الملكي لم يسقط إلا بالتنظيم سواء كان مدنيا أو عسكريا، ولذلك لم يحاربوا الحزبية وحدها، بل أرادوا تجريد غيرهم من أي مقوم من مقومات التنظيم والقوة، وأغلقوا الأقسام الداخلية لطلاب المدارس التي لم يغلقها الإمام أحمد بعد أول تحد منظم لنظامه قام به طلاب صنعاء وتعز قبيل الثورة، (الإضراب وحصار الطلاب داخل المدارس وتشريدهم وغلق المدارس مؤقتا)،لأنهم لم يكونوا يريدون أن يجتمع اثنان إلا على مائدتهم السياسية ولا يقرأن إلا كتابهم ولايصليان إلا على طريقتهم ولا يسمعان سوى أذانهم .

عن محاربة الشمال للحزبية التي بدأت في عهد السلال عام 1963 قال جار الله "بالرغم من أن السياسة الرسمية للشمال تعلن عداء مطلقا للحزبية وتتذرع بالمادة 37 من الدستور المحرّمة للنشاط الحزبي، إلا أن الحكومة تضطر إلى إيجاد مؤسسات بديلة للأحزاب. فجهاز الأمن يلعب دور التنظيم الحزبي للسلطة، كما توجد أشكال مموهة أخرى مثل القبيلة، وبدلا من ذلك أليس من الأجدى الاعتراف بالحقائق والعمل بأشكال حديثة للصراع من خلال أحزاب تعمل في العلن".

ذكرت هذه الحقيقة،حقيقة أن المؤتمر الشعبي جهاز استخبارات، للبروفسور مايكل هدسون ولزميله البروفسور روبرت بوروز في يونيو 1990، وقد صعق الاثنان، وقال هدسون سأكتب ذلك على مسئوليتك، وكان بذلك يريد اختبار مصداقيتي. بوروز كان من المعجبين باليمن ولكنه كتب قبل ثورة الشباب مقالا عن حكامنا اللصوص لعل بعض القراء يتذكرونه. وهنا يستحق الدكتور عبد الكريم الإرياني شكرا خاصا.

في رد لجار الله على من يلومونه باللجوء إلى السلاح كتب ورقة بعنوان "جدلية الوحدة والديمقراطية من يحكم باسم القبيلة أو الطائفة، عليه أن يتوقع ظهور معارضة من نفس النمط". وفي صراع السلطة ضد من أسمتهم بالمخربين (الجبهة الوطنية الديمقراطية) استرزق كثيرون ماليا وعلوا اجتماعيا وبنوا لهم مكانة من العدم، وضحكوا على بعض دول الجوار بقولهم إنهم يدافعون عنها من التغلغل الشيوعي. وكان صالح على رأس المستفيدين من إزهاق أرواح المدنيين وتدمير المنازل وتشريد المواطنين، لأنه كان يرفض إنهاء الصراع بالحوار مع الجبهة الوطنية وحاول اغتيال جارالله ويحيى الشامي وهما في صنعاء لولا أن موقف الرئيس علي ناصر محمد كان حاسما وحال دون تحقيق صالح لمأربه الخبيث. وكيف يغلق صالح بوابة كنز يغرف منه من مالنا ومن مال الغير عشرات الملايين من الدولارات سنويا.

كان جار الله رجل سلام ومصالحة وتغيير، وليس كما صوره إعلام صالح (مسمم الآبار، الجنرال الوحشي، والجنرال المحنط، عميل المخابرات الامريكية حاليا والسوفيتية سابقا، زارع الألغام والمتفجرات، المنغمس في وحل العمالة والارتزاق وممارسة الشر ضد نفسه ووطنه وشعبه، المتآمر، فقيه الفتنة الخ...). كل ذلك وغيره وصف به جار الله بعد الوحدة، وليس قبلها، ولذلك كان اغتياله ضرورة صالحية وزندانية.

لقد تنبأ جار الله بثورة الشباب وناضل من أجل أهدافها. في هذا الصدد قال"إن تحولات عميقة يمر بها المجتمع اليمني الآن، وإن عوامل الاستقرار تقوى بها، حيث تتشكل المدن التي تضاعف عدد سكانها وصارت مع الأجهزة الحديثة بمثابة صَهْر، ( لم يكن مصطلح ثورة الاتصالات متداولا على نطاق واسع في منطقتنا) ، تعيد تكوين التقاليد والنفسية الاجتماعي، وصار المستقبل لهذه التجمعات المستقرة ، خصوصا وأن آلاف الشباب يتخرجون كل عام من المعاهد والجامعات".

لقد سبق جار الله شباب ثورة 11 فبراير المغدورة بسنوات بمطالبته ب"المواطنة المتساوية ودولة المؤسسات وليس دولة العصبيات ومراكز القوى". وهذا هو بعض ما يشغل بعض وليس كل أعضاء مؤتمر الحوار الوطني، وتعارضه أقلية لا تعي حتى الآن المتغيرات الجديدة في اليمن، ومن ضمنها قبول التنوع، وقيام قواه بأدوارها الوطنية في السلطة، وإنهاء احتكار امتلاك الثروة والسلاح، والبقاء في البيوت بدون عمل منتج.

في إحدى الندوات بلغ إنكار التنوع والحق في الاختلاف بعضو في حزب يميني ديني أن طلب من جار الله أن ينص برنامج الحزب الاشتراكي على الشريعة أي أن يكون نسخة كربونية من حزبه. كان رد جارالله "نحن كحزب سياسي نريد دولة مدنية ليست في تضاد مع الإسلام، ومشكلتنا ليست مع السماء، نحن مشكلتنا في الأرض، قضايا الناس، قضايا الفساد، قضايا بناء الدولة، الديمقراطية وحقوق الإنسان". وأضاف "البعض يقولون لنا خذوا الإسلام مراعاة للجماهير، ولكي يكون الحزب الاشتراكي أفضل جماهيريا، ونحن نقول لن يضيف الحزب الاشتراكي للوطن شيئا إذا كان إسلاميا ونحن نرفض الدولة الدينية".

وقبل الوحدة قال جار الله "إن دستور دولة الوحدة يجب أن يكون مستوعبا وأن ينص بصراحة كاملة على الحقوق الديمقراطية ويعترف بالتعدد ويقر بالمساواة بين الجنسين، وينص على كل ماله صلة بصيانة حقوق الإنسان، وأن يحتوي مضامين الاتفاقيات التي وقعت بين الشطرين ويعكسها بنفس عصري". وأوضح موقفه من الدين والإسلام السياسي بقوله "إن معارضتنا لجماعة الإسلام السياسي المتطرفة لاتعني موقفا من الدين الإسلامي الحنيف الذي ينبغي أن نسمو به فوق مستوى الصراعات الحزبية وعدم استخدامه للوصول إلى السلطة".

ومن نافلة القول إنه إذا نصت كل الأحزاب على الشريعة فما حاجتنا للدستور الملزم للجميع الذي يسمو على كل البرامج الحزبية، وما هي أهمية الفوارق بين حزب يميني يقدس الأمر الواقع ويخدم مصالح ضيقة، وآخر وسطيا وثالث يساريا يجنحان للتغيير الاقتصادي والاجتماعي وليس الحفاظ على مصالح أقلية متنفذة سواء كانت دينية أو اجتماعية. الأحزاب سمتها التنوع الفكري والبرامجي وليس التماهي وأن تكون صورة طبق الأصل لبعضها البعض أو أن تتصارع فيما بينها حول أي منها الأقرب أو الأبعد عن الشريعة بما يقود إلى تكفير وحرب دينية حول من يمثل منها صحيح الإسلام بينما يتوارى الاهتمام عن معالجة قضايا الفقر والبطالة والأمراض والتخلف الضارب بجذوره في أعمق الأعماق.

التجربة الحية ليست بعيدة عنا وبيّنة في تكفير إخوان مصر لحلفائهم السابقين من السلفيين بعد تكفيرهم لكل المجتمع. وكعينة توضيحية أذكر ما يقرأ في أكثر من مكان في شوارع القاهرة مثل" . عارف متى تحس أنها حرب ضد الدين، لما يكون عندك دين أصلا). هذا يعني أنت ياللي بابتحسش مثلي ماعندكش دين، أي كافر!. ومع الفارق هذا يذكرني بصالح عندما أراد أن ينتخب الحزب الاشتراكي أمينا عاما له على مزاجه هو واحتج وشن إعلامه حملات على انتخاب الحزب لمن قرر الدموي صالح إعدامهم في المكتب السياسي واللجنة المركزية بإرادة حرة وهم غائبون، ( ال 16).

إن هذا الفهم للسياسة جزء من ثقافة شوهاء لدى العسكر واليمين الديني للحزبية لأنهما يستقويان إما بالدين أو بالسلطة وليس بالديمقراطية وما تتطلبه من تنوع وقبول حقيقي بالآخر وبدون تكفير. الزنداني من ناحيته أكمل دور صالح وقال "ينبغي عدم التلاين مع هذا الحزب (الحزب الاشتراكي) والجلوس معه وهو لايزال على كفره" وأيضا" نعوذ بالله من ذلك فلا تقعدوا معهم وهم على كفرهم، أولوهم غضبا في وجوهكم، و"لن نقبل أن نكون معهم ولانجالسهم لأن الله يأمرنا بذلك". هكذا استل الزنداني من غرارته أمر إلهي مباشر إليه شخصيا بعدم التحدث أو الجلوس مع أي من أعضاء الحزب الاشتراكي. وعندما نقول إن القاتل والتابع السعواني نهل من ثقافة الزنداني فليس في ذلك مبالغة أو تعد على الحقيقة. ألم يكن رئيس خلية جامعة الإيمان - مسيك وكان بعض أقارب الزنداني معه وموله الزنداني وكان يعرفه حق المعرفة واستقبله في منزله بعدن كما سبق لي القول.

الآن كيف ينقض ويعصي الزنداني كلام الله المرسل إليه في ضوء تجربة اللقاء المشترك حيث يجلس خصومه مع رفاقه ويناضلون من أجل أهداف مشتركة؟ ألا يدل ذلك على أن الزنداني يوظف الدين لأهدافه السياسية والمالية والتخريبية؟ أوليست هذه هي التعبئة الخاطئة التي رعاها صالح بعناية مركزة حتى حققت مبتغاها باغتيال شهيد الديمقراطية والوطن جار الله، ولم يستح من ذكرها وهو في كامل فرحته في برقية عزائه. الزنداني أحد قياديي مدرسة دولية عابرة للحدود والقارات للكراهية والتكفير والإقصاء.

في مصر قبل ثورة 25 يناير كان يؤمر رفاقه من الأعضاء هناك بعدم السلام على المسيحيين ومضايقتهم في الطرقات وعدم الرد على سلامهم. وما حدث للمسيحيين من مضايقات بعدها كان تطبيقا لهذه التعليمات. وبأمر من المرشد السابق مهدي عاكف منع الأعضاء من السلام على أبو العلاء ماضي رئيس حزب الوسط ورفاقه بعد انشقاقهم عن الإخوان وعدم الرد على سلامهم. وإسلاماه!.

 

الحلقة الثالثة

بدأت كتابة هذا المقال في 28 ديسمبر، اليوم الذي سيحيي فيه الآلاف من رفاق جار الله ومناصري قضيته الوطنية ذكرى استشهاده، تجديدا للعهد للسير على طريقه والنضال لتحقيق مبادئه ومبادئ حزبه، ورفض جريمة صالح والزنداني وكل قوى التخلف صاحبة المصلحة في اغتياله.

وفي مثل هذا اليوم 1 يناير 2003 الذي تصدر فيه "الوسط"، زفت جماهير من مختلف المحافظات في موكب جنائزي مهيب وغير مسبوق المناضل الشهيد إلى مثواه الأخير قدّرتها وسائل الإعلام بمئات الآلاف، وتجاهلها صالح وإعلامه الذي لم يكتف بذلك بل قام بحملة اعتقالات للعشرات. للتذكير صالح لم يقبل بدفن جار الله في مقبرة الشهداء إلا بناء على نصيحة محرجة من المرحوم الشهيد يحي المتوكل الذي لم يطق صالح بقاءه على قيد الحياة واغتاله بعد جار الله بأسبوعين، ثم بعد سنة وشهر اغتال مجاهد أبوشوارب عقابا له على إدانته العلنية مع الشيخ سنان أبو لحوم لحرب 1994 والانفصال. صالح لم يغفر للمتوكل الضغط عليه للتوقيع على وثيقة العهد والاتفاق ولم يصفح لأبو شوارب وسنان استقلال موقفهما في حرب 1994 عن موقفه لأنه كان يريد فقط إدانة الانفصال ومباركة حربه متجاهلا أن إعلان الانفصال كان نتيجة حتمية لحربه. جار الله رأى في موقفيهما الشجاع تحميل صالح مسئولية الحرب التي دفعت البعض في الاشتراكي إلى إعلان الانفصال.

ويبدو أن الشمس لن تسطع في اليمن، ففي ٢٦ ديسمبر ٢٠١٣ تكرر سلوك الأمن القمعي ضد شباب حملة إحياء ذكرى اغتيال جار الله، وكأن لا شيء تغير في السلوك السلطوي القمعي ووجود وزير للداخلية يمثل شباب الثورة، الذين رفعوا صور رمزهم جار الله في ساحات وميادين التغيير. وفي 28 ديسمبر وبينما هو عائد من مسيرة جار الله تعرض محمد الصايدي لاعتداء بالطعن عند مسجد الشهداء لأنه كان يحمل صورة جارالله من قبل صاحب مطعم يدعى ث. ع. ر. سبقها لعن الشهيد ووصفه بالحمار وشتم الصايدي.

إن القاتل السعواني له أنصار، وثقافة الكراهية وتحليل العنف والقتل لاتزال نشطة، وإن الطليعة عليها أن تقدم المزيد من الضحايا وتتحمل الكثير من الصبر، مالم تقم السلطة بدورها وأن لاتتراخى الآن كما فعل صالح عقب اغتيال جار الله والمتوكل وأبو شوارب وغيرهم. الكراهية والحرب والعنف تزرع في العقول، ومعروف أين يتم غرس هذه الكراهية، وأين هي حضاناتها، ومن يرعاها.

وهنا أذكر الأخ وزير الداخلية بأنه لايعفى من المسئولية بحجة أن لاسلطة له على قوات الأمن الخاصة، لأننا لسنا في عهد صالح التي كانت هذه القوات (الأمن المركزي سابق) لاسلطة لأسلأفه كلهم عليها. وأذكره ببيان لحزبه عقب اغتيال جار الله جاء فيه "إعطاء أعضائه الأولوية في نشاطهم العام لقضايا حقوق الإنسان والانفتاح ومحاربة ثقافة العنف والتطرف والغلو وكل ما من شأنه مصادرة حرية الآخرين أو التعدي على حقوقهم".

إن تكريم جارالله رفض لتغييبه الجسدي من قبل صالح واعتراف وطني بدوره ونضاله، وهو رسالة لعلي صالح بأن جار الله لم يمت. صالح أحد أكبر المستفيدين من جريمة اغتياله ومن غيابه السياسي وأحد المربين للقاتل بأكثر من وسيلة كان من بينها صحيفته، صحيفة عبده الجندي "صوت المعارضة" التي وردت مع اسمه أكثر من مرة في التحقيقات مع القاتل. الجندي يتحمل بالاشتراك مع الأمن السياسي والزنداني وصالح مسئولية الاغتيال، وينبغي أن يكون للعدالة وقفة وطنية مسئولة وجادة معهم تطبيقا لمبدأ عدم الإفلات من العدالة ومن العقاب مهما طال الزمن.

الدولة المدنية في فكر جار الله:

سأكتفي بالتطرق إلى بعض المحاور في هذا المقال. وبداية لايمكن فصل فكر جار الله عن فكر حزبه وإلا وقعنا جميعا في فخ الشخصنة وإعلاء دور الفرد ولهذا الأمر أضراره. حزب جار الله هو مدرسته وفيه طور فكره ووجد فيه رافعة التغيير وفي إطاره طالب بالديمقراطية وتلازمها مع الوحدة ومن خلاله قام بدوره الوطني بتواضع ونكران ذات وكانت قامة جار الله الوطنية هي التي دفعت صالح للانفراد به مع يحي الشامي في عدن في 29 نوفمبر 1989 لطمأنتهما بأن الديمقراطية ستكون هي والوحدة توأمان!!!.
 
1- الديمقراطية:
لم يفصل جار الله بين الممارسة الديمقراطية داخل الحزب الاشتراكي وخارجه. وفي ورقته عن التعددية السياسية عام 1988 نادى بتطوير التجربة البرلمانية ليتولى البرلمان الرقابة والمحاسبة وتشارك السلطة التشريعية في صنع القرار السياسي ويتفرغ أعضاء البرلمان لمهامهم التشريعية. وطالب بالسماح بمعارضة علنية في. وطالب بإعادة النظر في الفهم الخاطئ لبعض المقدسات الحزبية كمبدأ المركزية الديمقراطية الذي اختزل في المركزية وحدها وبأن يكون الاختلاف الفكري داخل الحزب علنيا وأن يصبح التنافس في الترشيحات الحزبية بين أكثر من مرشح وانتهاء القوائم المغلقة .

 

2- حرب 1994:
توقع جار الله قيام صالح بالحرب لإضعاف موقف الحزب الاشتراكي التفاوضي وشن حرب نفسية قبلها تستهدف النيل من معنويات أعضاء الحزب وأنصاره وجر الحزب إلى مجابهة نهائية بالوسائل والشروط وعلى الساحة التي يختارها هو . قارن جار الله بين حرب 1994 وبين الحرب الأهلية الامريكية، فبينما الأخيرة عززت وحدة الأمة وأقامت مجتمعا جديدا متماسكا لا تمييز فيه بين شمال وجنوب، وبكلمة أدق بين البيض وحدهم، ورفعت مستوى حياة الناس وأقامة دولة يحترم فيها القانون والدستور والمواطنة. أما عندنا ففككت حرب صالح، التي لم يكن لها هدف وطني، اللحمة الوطنية وقسمت الوطن إلى شمال وجنوب من جديد بعد توحده، وأفضت إلى تغيير النظام الاجتماعي، وضرب مشروع التحديث وهمشت القوى المؤيدة له، وكانت انقلابا إلى الوراء بكل المقاييس، لأن صالح لم يكن يستدعي سوى غريزة القوة. وينفي جار الله أي مشروعية لحرب صالح لأنها كانت بدون مشروع سياسي يلامس حاجات الناس ومتطلبات العصر.
 
3- فك الارتباط بين السلطة والعصبية والعشائرية أو المذهبية أو الجغرافية:
أدرك جار الله حجم العراقيل والصعوبات التي وضعتها القوى التقليدية والبيروقراطية وثقافة المصالح غير المشروعة المدنية والقبلية والعسكرية والدينية في طريق تنفيذ اتفاقية الوحدة والعمل بدستورها وطالب في ورقته أبعاد الأزمة الراهنة ومصير الوطن" التي وجهها إلى قيادة الحزب الاشتراكي في 30 مارس 1994 بفك هذ الارتباط المعيق، ولكنه عملا بمبادئ حقوق المواطنة أوضح أن هذا لا يعني تحريم شغل المناصب في السلطة على أبناء هذه القبيلة أو المذهب أو المنطقة، بل تغيير الشروط غير المكتوبة لشغل المناصب العليا في الدولة بإضفاء الطابع المدني عليها وجعل الكفاءة شرطا يؤهل للوصول إلى هذه المناصب بدلا من القوة وإعلاء الانتماء السياسي والحزبي على الانتماء العشائري أو المذهبي أو الانتساب إلى المؤسسة العسكرية.. فالسلطة طبقا له قوة بحد ذاتها وهي تحتاج إلى الحكمة والثقافة والعقلانية لترشيد استخدامها وليس إلى قوة إضافية.

 4- الثوابت:

دحض جار الله مقولة الثوابت التي تشقّر بها صالح لفترة طويلة، وطالب بإحلال الاجماع الوطني محلها، والتعهد المشترك باحترامه، أي أن يكون آلية للعمل الوطني وقائدا له، وليس الحكم الفردي وشعارات وكلمات فضفاضة خالية من المضمون كـ"الثوابت". ويبدو أن بعضهم زرّق الكلمة لصالح لأهداف أخرى، وكان يقصد الثوابت الدينية، ولكن صالح التقطها لترويجها لصالح مشروعه القمعي، وأصدر مجلة دورية باسمها، واكتفى بالقول دون الفعل، وضرب بثوابت الثورتين والوحدة عرض الحائط، ونزع نحو الاستبداد والتوريث تحت راية الثوابت. وحذر جار الله من زج مايسمى بالثوابت في الصراع الحزبي والسياسي لأنها "أسمى من كل الصراعات والمصالح ومنها إلى جانب الوحدة اليمنية ديننا الإسلامي وهويتنا القومية والوطنية لأن مواصلة توظيفها في الصراع يسيئ إليها ويلحق الضرر بكل من يستخدمها ومن تستخدم ضده لأنها من قبيل توظيف المقدس لأغراض غير مقدسة". باختصار ليس هناك ثوابت سياسية جامدة في أي نظام سياسي سواء كان جمهوريا أو غير جمهوري لأن طبيعة النظام السياسي الحركة والتطور وليس الحفاظ على الأمر الواقع والاكتفاء بالشعارات دون الفعل والإنجاز.

 

5- الفيدرالية والحكم المحلي :

رأى جار الله في وقت مبكر في الفيدرالية عملية تنظيمية وإدارية داخلية لدولة متحدة تقترن وتصاحب دائما الوحدة وليس الانفصال وأنها ليست كفرا بواحا أو خيانة وطنية. كان هذا هو فهم جارالله النظري الناضج للفيدرالية قبل عشرين عاما ولم يكن ضدها، ولكنه رأى أن توقيت اقتراحها غير مناسب لأنه كان يراها هادمة لوثيقة العهد والاتفاق، ولأن جماهير الشعب في الشمال المشوشة الوعي ستنظر إليها كشكل من أشكال الانفصال، وهو ماحدث فعلا عام 2013 طوال الفترة التي أثيرت فيها قضية الفيدراية لحل المشكلة الجنوبية وإرخاء قبضة الحزام القبلي والمؤسستين الدينية والعسكرية على السلطة وتخفيف هيمنتها عليها والاستئثار بمقدراتها.

وبدون مبالغة لو تمت الموافقة على هذا الخيار في حينه لكان حالنا أحسن مما هو عليه الآن. من جهة ثانية رأى جار الله في مارس 1994، أن طرح فكرة الفيدرالية من قبل طرف موقع على وثيقة العهد والاتفاق يؤدي إلى تحقيق حلم الطرف الآخر بفض لجنة الحوار نهائيا. حلم صالح اليوم هو نفس حلمه السابق، انفضاض مؤتمر الحوار الوطني بدون تحقيق أهدافه. وللعلم كانت الوثيقة نتيجة عمل دؤوب ومخلص من قبل لجنة الحوار الوطني الشبيهة اليوم بمؤتمر الحوار الوطني. ولو لم يرمِ صالح بالوثيقة في سلة المهملات، لوفرنا زمنا وأموالا للتنمية، ولم نضع فرصا ونعاني كل مشاكل اليوم وصراعاته وحروبه وانقساماته، ويطعم العالم جزءا ليس بالقليل من شعبنا، بينما ثروة صالح المنهوبة من قوت الفقراء تقدر بعشرات البلايين من الدولارات.

 6- القطيعة - الانفصال:

كان جار الله وقتها، وقبل التدهور المريع في الوضع العام سياسيا واقتصاديا وأمنيا، يرى أن المواطنين يدركون أن الصبر على المكاره وتحمل المشاق والمعاناة في ظل الوحدة أيسر بكثير مما قد يحدث في ظل التشرذم والانقسام، فيوم واحد من القطيعة بين شمال وجنوب الوطن يكفي لإلحاق الضرر بمصالح عشرات الآلاف من الناس. وتحدث جار الله عن المصالح الواسعة والمتشعبة التي خلقتها الوحدة، وعن الأضرار التي ستلحق بها جراء ما أسماه بالقطيعة، ومايسمى اليوم بالانفصال

وفي هذا المقام يجب استيعاب درس شبه القارة الهندية ومأساة الملايين الذي وجد المسلمون منهم أن لديهم جنسية وهوية جديدة وأن الديانة تحدد الهوية الوطنية، وأن على المسلم أن لايبقى حيث ولد، وكذلك الهندوسي والسيخي، ومناخ الكراهية الدينية الذي تسبب في قتل أكثر من مليون من هؤلاء بعد تقسيم الهند وهم آمنون في بيوتهم أو في طريقهم إلى وطن جديد لايعرفونه وإلى مصير مجهول وجيران لا يربطهم بهم سوى الدين، الذي قال عنه جوناثان سويفت لو كان لدينا منه مايكفي لحبينا بعضنا بعضا، وهو يقصد صحيح الدين أي دين وليس دين بعينه أو مايسوق اليوم على لسان التجار الجدد. كان جار الله يقرأ أفكار البيض قبيل حرب صالح الذي كان يريد دفع الاشتراكي لإعلان الانفصال وحذر من ارتكاب خطأ تاريخي (الانفصال) لايمكن تداركه ويكون له مابعده وطلب من كل القوى تدارك الوضع قبل أن نسقط في هاوية حرب أهلية ويتشظى الوطن بصورة مختلفة عما كان عليه عام 1990.

7- النقد:

النقد، كمبدأ، من صلب العمل الحزبي وأساس بقاء الحزب قويا ومتماسكا وقادرا على التطور ومواجهة التحديات والعواصف. ولكن شتان بين وضع يكون فيه الحزب تحت الأرض وينشط فيه النقد وبين أن يكون في السلطة وتلعب المصالح دورها في قمعه وإساءة تفسيره. لم يوجه جار الله نقده للنظام في الشمال وحده بل انتقد النظام في الجنوب أيضا. وفي هذا الصدد قال"برز اتجاهان في شطري اليمن تطرف يميني في الشمال وتطرف يساري في الجنوب، والأخير ظهرت تجلياته بعدد من الإجراءات الإرادوية التي تتخطى الواقع الاقتصادي والاجتماعي في السبعينات رغبة في تجاوز التخلف وتحقيق العدالة الاجتماعية". جاء ذلك في ورقته التي كتبها عام 1988. وعن الشمال قال "إن قوى 5 نوفمبر لاتزال هي السائدة وصارت إمامة بحزب منظم ولكن بدون الإمام البدر". قال هذا قبل أن يسفر التوريث القبيح عن وجهه. وعن الجنوب قال بصراحة "تركت السياسات والإجراءات اليسارية المتطرفة آثارا وتشوهات سلبية أضرت بالتجربة وانعكست على الشمال وأسهمت في تفكيك التحالفات الوطنية فيه لولعها بالجملة الثورية ورفع شعارات متطرفة تتجاوز الواقع". وأضاف "لقد أضرت الإجراءات الإدارية والأوامرية في توجيه مسار التجربة في جنوب الوطن التي مارسها ماأسمي باليسار الانتهازي واليمين الانتهازي بالقوى الوطنية في الشمال، وأثرت إجراءات التأميمات المتطرفة على التحالفات في الشمال لأن مثيل الفئات التي تضررت في الجنوب اتخذت موقفا معاديا لليسار ثم جاء تكريس الحزب الواحد في المرحلة اللاحقة ليعمق هذه الأضرار التي تعدت تأثيراتها التجربة في الشطر الجنوبي إلى القضية الوطنية بأسرها. واعترف جار الله دون غيره بأن هذه الإجراءات أفادت الإسلام السياسي ودفعت شرائح من الطبقة الوسطى إلى السعي إليه كملاذ لها من مشروع الحزب الاشتراكي الذي رأت فيه نفيا لمصالحها.

 

وإلى مقالات أخرى في العام القادم إنشاء الله لأن معين جار الله لا ينضب.